في اليوم الثاني من زيارته التاريخية، تضرّع البابا ليو الـ14 عند ضريح القديس شربل "قديس لبنان" كما يسمّيه كثيرون، من أجل إحلال السلام في البلد الصغير الذي يستقبله بحفاوة، داعيا القيمين على الكنيسة إلى تعزيز حضور الشباب ودورهم مهما كبرت التحديات.
ووصل رأس الكنيسة الكاثوليكية إلى بيروت عصر الأحد، في أول رحلة خارجية منذ انتخابه في مايو وبدأها بتركيا، وقال إنه أراد من خلالها أن يكون "رسول سلام" إلى المنطقة التي مزقتها الانقسامات والنزاعات.

هتافات وزغاريد
وعلى طول الطريق المتعرّج المؤدي صعودا إلى ضريح القديس شربل في بلدة عنايا الجبلية الواقعة على بعد 54 كيلومترا شمال بيروت، استقبل آلاف المؤمنين البابا الذي وصل على متن سيارة "بابا موبيل"، بالهتافات والزغاريد ونثر الأرز.
ولوّح البابا بيديه للمؤمنين الذين انتظروا منذ ساعات الصباح الباكر تحت مطر غزير، رافعين أعلام لبنان والفاتيكان، بينما كانت التراتيل تُبث عبر مكبرات الصوت، وأجراس الدير تُقرع فرحا باستقبال البابا، في أول زيارة لرأس الكرسي الرسولي إلى الدير التابع للرهبانية اللبنانية المارونية.

رسالة البابا
وفي كلمة ألقاها باللغة الفرنسية قرب ضريح القديس شربل في دير مار مارون، الذي يشكل محجا لمسيحيين ومسلمين من لبنان والعالم، طلب الحبر الأعظم "الشركة والوحدة من أجل الكنيسة" و"السلام من أجل العالم".
وقال "نطلب السلام بصورة خاصة من أجل لبنان وكل المشرق".
وتحدث عن الإرث الروحي للقديس شربل، مُشيرًا إلى 4 ركائز أساسية تُعبر عن رسالته، وهي: الصلاة، الصمت، التواضع، والفقر، وأكد أن هذه القيم تشكل دعوة ملحة في عالم مليء بالضجيج المادي وفوضى العولمة الروحية.

وطلب البابا من الله أن يمنح السلام والوحدة للبنان والمنطقة، ودعا اللبنانيين إلى استعادة جذورهم الروحية والتمسك بإيمانهم كطريق للصمود والوحدة، مُشيرًا إلى أن المسيحية اللبنانية تُعتبر قوة حيوية في توازن المنطقة.
وأكد أن زيارة عنّايا تحمل رسالة تضرع من أجل شفاء لبنان على المستويات الأخلاقية والمؤسساتية قبل أي جانب اقتصادي، وأكد أن الإيمان يبقى مصدر قوة اللبنانيين في مواجهة التحديات.

وجال البابا في أنحاء الدير الذي بُني الجزء الأول منه عام 1828، وزار المتحف الذي يضم قطعا مختلفة عائدة للقديس شربل.
وقدم الدير هدايا عدة له بينها سراج يدوي للقديس شربل يحوي ذخائره وأول طبعة للمزامير الصادرة عام 1610 من دير مار أنطونيوس قزحيا في شمال لبنان.
وحيا البابا العاملين في الدير الذين بدوا متأثرين للغاية عندما صافح عددا منهم.
القوة للاستمرار
وبعد عنايا، توجّه البابا إلى مزار سيدة لبنان في حريصا. وعلى وقع التصفيق والتراتيل، شقّ طريقه بين مدرجات البازيليك الفسيحة التي ضاقت بالمئات من الأساقفة والكهنة والمكرسين والعاملين الرعويين، الذين قبّل بعضهم يده وصافحوه بخشوع وحرارة.
واستمع البابا إلى شهادات قدّمها عدد من المشاركين عن ظروف عملهم بالكنسية والتحديات اليومية التي يواجهونها.
وقال أمامهم في كلمة ألقاها بالفرنسية "تمنحنا الصلاة.. القوة للاستمرار في الرجاء والعمل، حتى عندما يدوي ضجيج الأسلحة من حولنا وتصير متطلبات الحياة اليومية نفسها تحديا".
وذكّر البابا المسؤولين عن الكنائس والرعايا بمسؤولياتهم تجاه الشباب. وقال "من الضروري حتى وسط أنقاض عالم يعاني من فشل مؤلم، أن نقدم لهم افاقا حقيقية وعملية للنهوض والنمو في المستقبل".
ويعاني لبنان الذي لطالما نُظر إليه على أنه نموذج للتنوع الديني في الشرق الأوسط، منذ عام 2019 من أزمات متلاحقة شملت انهيارا اقتصاديا غير مسبوق وارتفاعا كبيرا في معدلات الفقر، فضلا عن انفجار مرفأ بيروت في عام 2020.

وفاقمت الحرب الأخيرة بين "حزب الله" وإسرائيل الوضع سوءا، بعدما ألحقت دمارا واسعا خصوصا في القرى الحدودية. ولا يزال لبنان يعيش بعد عام من وقف النار تداعيات الحرب.
ودفعت تلك الأزمات عددا كبيرا من اللبنانيين، خصوصا الشباب إلى الهجرة.
أمل ورجاء
وبعيد وصوله إلى بيروت آتيا من إسطنبول المحطة الأولى في زيارته الخارجية، حض البابا المسؤولين اللبنانيين على أن يكونوا "في خدمة" شعبهم "الغني بتنوعه". ودعا اللبنانيين إلى التحلي بـ"شجاعة" البقاء في بلدهم، رغم الصعوبات.
بعد ظهر الاثنين، يحضر الحبر الأعظم لقاء مسكونيا وحواريا بين الأديان في وسط بيروت، يشارك فيه ممثلون عن غالبية الطوائف، ويُتوقع أن يجدد فيه رسائله المؤيدة للوحدة واحترام التنوع الديني.
وتتعايش في لبنان 18 طائفة، رغم حرب أهلية (1975-1990) أودت بحياة عشرات الآلاف من اللبنانيين، وكانت إلى حد بعيد، في بعض مراحلها حربا بين مسلمين ومسيحيين.
ويختتم البابا ليو الـ14 يومه بلقاء حاشد مع الشباب في مقر البطريركية المارونية في بكركي، شمال بيروت، حيث سجّل أكثر من 10 آلاف شخص تتراوح أعمارهم بين 16 و35 سنة، أسماءهم لحضوره وفق المنظمين. وبين هؤلاء أكثر من 500 شاب وشابة يأتون من الخارج.
وأعلن لبنان الاثنين والثلاثاء يومي عطلة رسمية بمناسبة الزيارة، وتم اتخاذ تدابير أمنية مشددة، بما في ذلك إغلاق الطرق وحظر تحليق المسيّرات، وإقفال المحال التجارية في وسط المدينة مساء الاثنين، قبل القداس المقرر صباح الثلاثاء.