في مشهد صادم، أعادت مجزرة إطلاق النار التي استهدفت تجمعا يهوديا وأسفرت عن مقتل 16 شخصا، فتح ملف الهجمات الإرهابية ذات الطابع الفردي المعروفة بـ"الذئاب المنفردة"، لتطرح من جديد أسئلة مقلقة حول تنامي هذا النمط العنيف وقدرته على الضرب من دون إنذار، وسط مخاوف من تصاعده في المرحلة المقبلة.
وفيما كشفت تقارير غربية أن أحد منفذي الهجوم كانت تحت مجهر أجهزة المخابرات الأسترالية، سلط محللون في حديثهم لمنصة "المشهد" الضوء على الثغرات الأمنية التي تعاني منها الدول الغربية، وحذروا من موجة جديدة من هذه العمليات خلال الأسابيع المقبلة، خصوصا تزامنا مع أعياد رأس السنة.
ورأى محللون أن الهجوم استخدم أسلوب "الذئاب المنفردة" ذاته الذي يلجأ تنظيم "داعش" إلى استخدامه خلال السنوات الماضية، ولفتوا إلى أن المنفذين غالبا لا يكونون عناصر داخل التنظيم، بل أشخاص عاديين يتم تجنيدهم عبر الإنترنت.
ثغرة أمنية
وقالت الباحثة بالمركز المصري للفكر والدراسات الإستراتيجية منى قشطة، إن هناك ثغرة أمنية عند الأجهزة الأمنية الأوروبية، خصوصًا أن منفذي العملية تم رصدهما قبل الهجوم بسنوات.
ولفتت في حديث لـ"المشهد" إلى أن "الأجهزة الأمنية الأسترالية تحدثت عن رصدها لأحد المنفذين قبل سنوات، وألقت القبض عليه وأطلقت سراحه لأنه لم يشكل خطورة.
وقالت قشطة:
- يعكس تورّط أب وابنه في تنفيذ الهجوم ملامح نمط يُعرف في أدبيات مكافحة الإرهاب بـ"الإرهاب العائلي".
- هذا نمط استخدمه تنظيم "داعش" تاريخيا في سياقات متعددة، باعتباره آلية فعّالة لنقل الأيديولوجيا المتطرفة داخل دوائر ثقة مغلقة بعيدا عن أعين الرصد الأمني.
- يطرح هذا النموذج تحديات أمنية مُضاعفة على أجهزة الأمن الأوروبية، كونه يُضعف فعالية مؤشرات الإنذار المبكر المعتمدة على تتبع الشبكات التنظيمية أو النشاط الرقمي المكثف.
بدوره، قال المتخصص في الشؤون الإقليمية والدولية أحمد سلطان، لـ"المشهد" إن تنظيم "داعش" دعا إلى تنفيذ هجمات ضد اليهود والمسيحيين في جميع أنحاء العالم وذلك بالتزامن مع حرب غزة.
وأشار إلى أن التنظيم اعتمد في هذه العملية على "عناصر محروقة" بمعنى أنه تم تجنيدهم عبر الإنترنت وتم رصدهم من خلال أجهزة الاستخبارات العالمية وبالتالي تم توجيههم إلى تنفيذ عمليات ضد "أهداف رخوة".
واتفق مع هذا الطرح المتخصص في الجماعات الإرهابية منير أديب. وقال في حديث لـ"المشهد": "منذ اللحظة الأولى رأيت أن ثمة بصمة مشتركة بين ما حدث في تدمر السورية وبين ما حدث في سيدني".
وأوضح أديب أن بصمة "داعش" كانت واضحة في تنفيذ هذا العمل الإرهابي، لافتة إلى وجود شكلين للمنتمين إلى التنظيم:
- شخص ينتمي إلى البنية التنظيمية لـ"داعش".
- شخص ينتمي فكريا للتنظيم وهو أيضا ينتمي لـ"داعش" بشكل أو بآخر.
بدورها، قالت قشطة إن هذا النوع من العمليات التي يطلق عليها "ذئاب منفردة" هو معقد للغاية ويصعب تتبعه من الأجهزة الأمنية كما يصعب التنبؤ به، مضيفة "من الممكن أن يكون هناك شخصا معتنق للفكر من دون أن يتم رصده وبالتالي ينفذ الهجوم".
وأشارت إلى أن التحقيقات أشارت إلى أن منفذي الهجوم الهجوم استأجروا شقة بالقرب من العملية ووجدت الاجهزة الأمنية أسلحة أخرى بداخلها وهو ما يعني أن الهجوم جرى التخطيط له قبل الحادث بفترة".
ما العلاقة بين حادث تدمر بهجوم سيدني؟
من جهته، يرى منير أديب أن العمليتين في تدمر بسوريا وسيدني استخدمتا نمط الذئب المنفرد نفسه، ولكن الفارق بين العمليتين أن الأولى كانت لعنصر بنيوي ينتمي للتنظيم في حين أن الثاني كان عنصرا ينتمي فكريا وجرى تجنيده.
بدوره، أوضح سلطان أن التنظيم لجأ إلى هذا النوع من العمليات تحت مزاعم "حماية المسلمين المستضعفين" لإثبات وجوده خصوصا في ظل عدم قدرته على تنفيذ عمليات كبرى منسقة ضد أهداف كبيرة.
ولفت سلطان إلى أن استهداف المدنيين من الأمور التي يصعب توقعها وإحباطها قبل التنفيذ، مضيفا "التنظيم لجأ خلال السنوات الماضية إلى استقطاب عناصر من خارج التنظيم عبر الإنترنت واستغل حالة الغضب التي شهدها العالم بسبب الحرب في غزة".
وقال سلطان إن إدارة العمليات الخارجية في "داعش" ما زالت نشطة وتعتمد على هجمات غير منسقة وبأسلحة خفيفة وليست متطورة، مشيرا إلى أن التنظيم لا يستخدم عناصره الفاعلة في مثل هذه الهجمات ولكن يستغلهم في الدعاية وجلب الأموال.
وأضاف سلطان بالتأكيد ستكون هناك عمليات مماثلة بنفس النمط، خصوصا أن هذا النمط يصعب رصده وكشفه.
واتفق أديب مع الحديث السابق. وقال إن الاعتداء على الجاليات أو الأقليات غير المسلمة في هذه الدولة دائما ما يكون مرتبطا بأن الشخص الذي يقوم بتنفيذ هذه العمليات ينتمي إلى "داعش".
تنامي الغضب بسبب حرب غزة
وأشار المتخصص في الجماعات الإرهابية إلى أن ما يجري هو نتاج للحروب والصراعات التي ضربت العالم سواء في الشرق الأوسط أو في أوكرانيا حيث انشغلت الدول الكبرى بهذه الحروب واستغل التنظيم هذه الحالة للنشاط.
وأكد أن ما جرى ربما بداية لسلسلة جديدة من العمليات التي قد يشهدها العالم خلال الفترة المقبلة.
ووافقه الرأي، أحمد سلطان، قائلا إن حرب غزة ساهمت بشكل كبير في تنامي حالة الغضب الموجودة، لافتا إلى أن السردية الإسرائيلية التي تبنت رؤية دينية أظهرت الصراع على أنه صراع ديني وهو ما ساهم بشكل كبير في ترسيخ هذه الصورة.
وقال إن هذه السردية تسهّل عملية تجنيد العناصر التابعة لـ"داعش"، مشيرا إلى أن هذه السردية هي الأساس في تجنيد المنتمين للعناصر المتطرفة في العالم.
نقطة أخرى تطرقت لها الباحثة بالمركز المصري للفكر والدراسات الإستراتيجية منى قشطة، وهي الانتقادات المتبادلة بين إسرائيل وأستراليا فيما يخص الاعتراف بدولة فلسطين وتداعيات ذلك على الهجوم الإرهابي.
وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو أشار إلى أن الهجوم هو نتيجة لما قامت به أستراليا بالاعتراف بالدولة الفلسطينية، في المقابل نفى رئيس وزراء أستراليا أنتوني ألبانيز الربط بين الاعتراف بفلسطين وهجوم سيدني.
وقالت قشطة إن هذا التراشق يلفت الأنظار عن الهدف الأساسي وهو البحث عن الأسباب الحقيقية وملابسات وقوع الهجوم، مشيرة إلى أن تنظيم "داعش" نفسه يستفيد من هذا التراشق بلفت النظر عنه وتحقيق صدى واسع على مستوى العالم.
وأوضحت قشطة أن شهري ديسمبر ويناير من كل عام من الفترات التي تنشط فيها التنظيمات الإرهابية بشكل كبير خصوصا خلال أيام الأعياد، لافتة إلى أن هذه الظاهرة بدأت حتى قبل حرب غزة.