يمثّل نهر النيل الحياة والخصب والنماء لأرض مصر، ومن أهم العوامل التي ساعدت على تطوّر وازدهار الحضارة المصرية قديما، ودلّل على ذلك ما كتبه المؤرخ اليوناني القديم هيرودوت، أنّ "مصر هبة النيل" وذلك من منطلق ما لمسه من أهمية نهر النيل في حياة المصريين، لكن ومع شروع إثيوبيا خلال السنوات الماضية في بناء سدّ النهضة، بدأت المخاوف العديدة تنتاب عموم المصريين، بشأن حجم حصة مصر من مياه النيل وتوليد الكهرباء من السدود.
غير أنّ مصر التي تعتمد بنسبة 97% على مياه نهر النيل، تعاني عجزا مقداره 54 مليار متر مكعب سنويا، إذ تصل احتياجاتها المائية إلى نحو 114 مليار متر مكعب سنويًا، في حين يصل حجم الموارد المائية المتاحة إلى 60 مليار متر مكعب سنويا فقط.
ومع استمرار إثيوبيا في المضي قدما باتجاه الانتهاء من بناء سد النهضة، والبدء العملي في ملء السدّ إلى أن وصل للملء الـ4، في هذه الأثناء فجّر الدكتور عباس شراقي خبير المياه الدولي وأستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة مفاجأة من العيار الثقيل في حديثه لمنصة "المشهد"، وهي أنّ فيضان نهر النيل لم يصل إلى مصر هذا العام للمرة الأولى في التاريخ.
حياة قائمة على النيل
ويقول عباس شراقي إنّ الفراعنة حددوا منتصف أغسطس للاحتفال بوصول الفيضان، وذلك لأنّ حياة مصر كلها كانت قائمة على مياه النيل التي تصل عن طريق الأمطار، فلو كان هناك نقص في هذه المياه تحدث مشكلة وشدّة كبيرتين، واصفا إياها بالشدّة "المستنصرية".
وأوضح أنه كان يتم متابعة منسوب الفيضان من خلال مقاييس موجودة على نهر النيل، وما زال بعضها قائما إلى الآن، مثل معابد إدفو ومنطقة الروضة في القاهرة، وبناءً على هذه المقاييس كان يتم تحديد الضرائب التي تُفرض على المواطنين، ففي حالة وجود مياه كثيرة في نهر النيل، كان يتم فرض الضرائب وبمبالغ كبيرة، لأنه بوجود الفيضان يحدث الرخاء والنماء داخل مصر، أما في حالة حدوث نقصان في مياه الفيضان، كان يتم تقليل هذه الضرائب وربما إلغاؤها، لعدم توافر النماء والرخاء، وهذا يؤكد على قيمة النيل بالنسبة لمصر والمصريين عبر العصور.
وأشار خبير المياه الدولي إلى أنّ الأمطار تسقط في إثيوبيا في 3 و 4 أشهر رئيسية، بدءا من يوليو وانتهاءً بشهر أكتوبر، وبالتالي يبدأ وصول المياه إلى مصر فعليا آخر يوليو وأول أغسطس من كل عام، ويتأكد وصولها في منتصف أغسطس، ومن ثم يحتفل المصريون بوصول الفيضان محمّلا بالخير الوفير من المياه، وهذا الاحتفال يعدّ أقدم الأعياد الرسمية في العالم، ويطلق عليه "عيد" وفاء النيل، الذى يرجع إلى ما قبل العصر المصري القديم منذ أكثر من 7 آلاف عام، لكن هذا العام وللمرة الأولى في تاريخ مصر لم يصل فيضان مياه نهر النيل إلى مصر حتى الآن، وبالتالي لن يحدث فيضان في الموسم الحالي للأمطار، عازيًا السبب إلى سدّ النهضة الإثيوبي.
وكشف عباس شراقي أنّ عدم وصول فيضان نهر النيل إلى مصر هذا العام، يعود إلى التخزين الرابع في سدّ النهضة الذي بدأ من أول الموسم، ومن المتوقع أن يستمر حتى سبتمبر القادم.
أهمية السدّ العالي
وأشار الخبير في حديثه لـ"المشهد" إلى أنّ سبب عدم احتفال المصريين بعيد وفاء النيل في العصر الحديث كما كان في السابق، يعود إلى وجود السد العالي الذي يقوم بحجز وتخزين المياه في "بحيرة ناصر" طوال العام، وتُفتح بواباته يوميا لصرف كمية المياه التي تحتاجها مصر، أما في العصر القديم فكان الفراعنة ينتظرون وصول المياه في فصل الصيف فقط للاستفادة منها طوال العام، ومن ثم كان اعتمادهم كليا على وصول المياه في أشهر الصيف، وباقي العام لا توجد مياه، ومن ثمّ فإنّ وجود السد العالي جعل أيام مصر كلها أعياد، لأنه يقوم بإخراج المياه التي تحتاجها مصر كل عام.
تأثيرات سلبية
وكشف عباس شراقي لمنصة "المشهد"، عن أبرز التأثيرات التي ستواجه مصر من جرّاء عدم وصول الفيضان هذا العام، حيث أكد على أنّ هناك أكثر من 45% من حصة مصر من المياه التي كانت تأتي إلى مصر، سيتم حجزها في سدّ النهضة ولن تصل، مقدّرا حجمها بـ25 مليار لتر مكعب من المياه، وهذه كمية ضخمة سنخسرها بكل تأكيد، موضحا أنّ نصف الحصة من الممكن أن تأتي خلال الأشهر المقبلة.
احتياطي السد العالي في خطر
وأكد عباس شراقي أنّ "هذه الكمية الكبيرة التي خسرناها من المياه، سنقوم بتعويضها من احتياطي مياه خزان السد العالي، وسيتم توزيع هذه المياه على المزارعين، وبالتالي لن يشعر المواطنون بمشكله حجز المياه في سد النهضة هذا العام، لكنّ المشكلة الأكبر تكمن في نقصان احتياطيّ السد العالي، لأنّ مصر بالأساس تحاول دائما الحفاظ على هذا الاحتياطيّ تحسبا لحدوث سنوات جفاف قد تمتد إلى 7 سنوات، ومن ثم إذا حدث جفاف في السنوات المقبلة، فستكون هناك كارثة على مصر".
حلول مقترحة
ويرى أستاذ الموارد المائية والريّ في حديثه مع "المشهد" أنّ الحل يكمن في ضغط مصر على إثيوبيا بشكل فاعل، للوصول إلى اتفاق يسمح بتنظيم عملية تخزين المياه في سد النهضة، على نحو سليم يسمح بالحفاظ على حصة مصر المائية.
وتولي مصر قضية المياه أقصى درجات الاهتمام، سواء من حيث المحافظة على مواردها المائية وحُسن إدارتها، أو الدفاع عن حقوقها التاريخية في مياه النيل، المورد الرئيسي للمياه، وهو ما تمت ترجمته في اتفاقيات قانونية عديدة شاملة ومحددة، مع دول حوض النيل، تُلزم الجميع باحترامها وعدم الإخلال بها، وفى المقابل تتعاون مصر مع دول حوض النيل، وتشاركها في العديد من المشاريع التنموية لديها.
كما ساهمت مصر في إنشاء العديد من السدود ومحطات مياه الشرب الجوفيّة، وقامت بإعداد الدراسات اللازمة لمشروعات إنشاء السدود متعددة الأغراض، لتوفير الكهرباء ومياه الشرب لمواطني الدول الإفريقية، ومن أهم هذه الاتفاقيات: اتفاقية 1959، التي تحصل مصر بمقتضاها على 55.5 مليار متر مكعب سنويًا من المياه.
للمزيد :
- أطول نهر في العالم .