hamburger
userProfile
scrollTop

exclusive
 سرقة القرن إلى الواجهة مجدّدا.. ضغط من المالكي أم احتواء لغضب العراقيين؟

المشهد

السوداني أعاد قضية سرق القرن في العراق إلى الواجهة (رويترز)
السوداني أعاد قضية سرق القرن في العراق إلى الواجهة (رويترز)
verticalLine
fontSize
هايلايت
  • المدير السابق للبنك المركزي العراقي: ليس لدينا أدلة عن مكان وجود الأموال المسروقة. 
  • مصدر حكومي: المالكي يستخدم ملف سرقة القرن للضغط على السوداني.
  • متخصّص في الشأن المالي: القوانين العراقية تسهّل عمليات الاختلاس. 

كشف رئيس الوزراء العراقيّ محمد شياع السوداني، تفاصيل جديدة حول قضية "سرقة القرن"، حيث أعلن يوم السبت الماضي خلال اجتماع هيئة النزاهة الاتحادية التي تتولى التحقيق في القضية، أنّ نصف الأموال الضريبية المسروقة تم تهريبها إلى الخارج.

وبدأ الحديث عن قضية تهريب الأموال الضريبة أو ما يعرف بـ"سرقة القرن" في سبتمبر 2021، خلال عهد حكومة رئيس الوزراء السابق مصطفى الكاظمي، حيث قامت 5 شركات وهمية بسرقة مبلغ 3 تريليونات و750 مليار دينار عراقي من الأموال الضريبية، ويقدّر هذا المبلغ بـ2.5 مليار دولار. 

سرقة القرن

وكان رئيس هيئة النزاهة حيدر حنون، قد أعلن في وقت سابق، أنه تم تنظيم إشارات حمراء بحق وزير المالية السابق علي علاوي، ورئيس جهاز المخابرات السابق رائد جوحي، والسكرتير الخاص لرئيس مجلس الوزراء في الحكومة السابقة أحمد مجاتي، ومستشار رئيس الوزراء السابق مشرق عباس، باعتبارهم مطلوبين بقضية سرقة القرن.

ودعا العراق عددًا من الدول منها تركيا والأردن إلى تسليم المتورطين في السرقة، الذين بلغ عددهم 48 متورطًا، استحوذ كل واحد منهم على 100 مليار دينار عراقي ما يعادل 77 مليون دولار.

ووصف السوداني قضية "سرقة القرن" بالنقطة السوداء في تاريخ الدولة، بسبب حجم الأموال التي تمت سرقتها بغطاء رسمي، وبالتواطؤ مع موظفين تابعين للدولة، وقال: "تم تهريب نصف الأموال المسروقة إلى خارج العراق، نواصل الجهود لاستعادتها".

المالكي يضغط في الخفاء

وقال مصدر حكوميّ فضّل عدم ذكر اسمه لمنصة "المشهد"، إنّ قضية سرقة القرن أنتجت خلافًا حادًا بين رئيس مجلس الوزراء الأسبق نوري المالكي، ورئيس مجلس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني، حيث يستمر المالكي بالضغط على السوداني قبل نهاية ولايته الحكومية.

وأوضح المصدر أنّ المالكي دعا إلى انتخابات حكومية مبكّرة، لأنه لا يرغب في أن ينجح السوداني بولاية حكومية جديدة، والآن يحاول خلف الكواليس التذكير بقضية سرقة القرن التي تعهّد السوداني عندما استلم رئاسة الحكومة متابعتها، ومحاسبة المتورطين فيها.

وكشف المصدر أنّ السوداني أعاد فتح ملف سرقة القرن في هذا التوقيت، لسببين:

  • الأول هو الضغط الخفي ّمن المالكي والكتلة الشيعية في الحكومة، التي تتهم السوداني بعدم الوفاء لها، وتحاول إظهار اخفاقاته في محاربة الفساد.
  • الثاني هو اقتراب نهاية ولايته الحكومية، حيث يريد السوداني أن يخفف من وطأة الانتقادات الشعبية له، في ما يخص هذه القضية.

وفي ديسمبر 2022، سمح السوداني بإطلاق سراح المتهم الرئيسيّ في القضية المدعو نور زهير، بذريعة السماح له بإعادة الأموال إلى خزينة الدولة، ثم ظهر السوداني في نوفمبر من العام نفسه، وهو محاط بمبالغ نقدية كبيرة.

وأعلن أنه تم استرداد 182 مليار دينار عراقي، ما يقدر بنحو 5% من الأموال المسروقة، لكن منذ ذلك التاريخ لم يفتح السوداني الملف، حتى يوم السبت الماضي.

وتحوّلت قضية سرقة القرن لسجال سياسيّ بين المالكي والسوداني والكاظمي، الذي نفى تورطه في القضية، ودعا السوداني وقوى الإطار التنسيقيّ إلى ملاحقة المتهمين واستعادة الأموال المسروقة، بينما دعا المالكي حكومة السوداني إلى تنفيذ وعودها في ما يخص محاربة الفساد.

الفساد يهدّد العراق

وقال المدير السابق للبنك المركزيّ العراقي الدكتور محمود داغر لمنصة "المشهد"، إنّ مشكلة الفساد أصبحت من المشاكل التي تهدد المستقبل الاقتصاديّ للعراق، تحدثنا كثيرًا لسنوات عن هذا الموضوع، لكن للأسف جاءت سرقة القرن لتكون أبشع تعبير عن الفساد وتشابك الخيوط وتداخل الجهات المتعددة في هذا الموضوع.

وأوضح داغر أنّ حكومة السوداني شهدت الفصول الأخيرة من هذه المأساة، وخلالها تم إطلاق سراح أحد المتورطين وهو نور زهير، ما عقّد القضية، وجعل خيوطها تتشابك أكثر، وأعتقد أنّ  أطرافًا أخرى مؤثرة دفعت السوداني إلى إطلاق سراحه، والآن تدفعه لفتح الملف مرة أخرى.

وكشف داغر أنّ القضية معقّدة أكثر ما تظهر في الإعلام، رغم التصريحات الأخيرة حول أنّ الأموال في الخارج، وأنّ الحكومة تحاول استعادتها، لكن نحن ليس لدينا أيّ دليل عن مكان وجود هذه الأموال الطائلة.

ويرى داغر أنّ السوداني كشخص هو جادّ في محاربة الفساد، ويحاول خلال مسيرته الحكومية أن يترك بصمة إيجابية، لكن لا أظن أنه سيتمكن لوحده من تحقيق هذا الأثر، وإدارة هذه العمليات، التي تُعتبر تراكم سنوات طويلة من الفساد، خصوصًا أنّ الحكومة العراقية متشعبة وتسيطر عليها التكتلات السياسية، التي تختلف في توجهاتها.

وأكد داغر أنّ قضية الفساد أثّرت في الاقتصاد العراقيّ بشكل مباشر، وأصبح يهدّد مستقبل العراقيّين، وما زال القضاء يراوح مكانه، بينما يُطالب العراقيون بتجريم كل من ساهم في قضية سرقة القرن، أو أيّ قضية فساد أخرى أدت إلى اقتطاع أموال العراقيّين التي لا بد من إعادتها سواء كانت داخل أو خارج البلاد.

تورّط رجال الدولة

من جهته، قال المستشار الاقتصاديّ والمتحدث الرسميّ السابق لمجلس الخدمة الاتحادي علاء الفهد، إنّ حكومة السوداني أعلنت ضمن برنامجها الحكومة عن محاربة الفساد، وأكدت أنّ تحقيق الإصلاح الاقتصاديّ من أولويات عمل الحكومة، لذلك أعلن السوداني عن محاربة قضايا الفساد الكبرى ومنها سرقة القرن.

وأوضح الفهد أنّ كل المعطيات أثبتت أنّ الكثير من السياسيّين متورطون في قضية سرقة القرن، كان هدف الحكومة إرجاع الأموال بالدرجة الأولى، ومحاسبة المتورطين بالدرجة الثانية، لأنّ هذه القضية تُعتبر من قضيا الفساد الكبرى التي أثرت بشكل مباشر على تقديم الخدمات للمواطن، وعلى ما يعيشه العراقيون اليوم، من سوء الخدمات وتراجع الأوضاع الاقتصادية، وارتفاع نسب الفقر والبطالة.

وحول إمكانية نجاح حكومة السوداني في إغلاق ملف سرقة القرن، أجاب الفهد: "الحكومة تحاول منذ بداية عملها محاربة الفساد، حققت بعض النجاحات، لكن أعتقد أنّ السوداني يحتاج المزيد من الوقت لإغلاق هذا الملف، لأنه معقّد ومتشابك سياسيًا وأمنيًا".

ووُصفت قضية سرقة القرن التي هزت الشارع العراقي، بأنها أكبر قضية سرقة للمال العام في العراق، حيث كشف تقرير نشرته صحيفة الغارديان في نوفمبر 2022، أنّ شبكة واسعة من المسؤولين ورجال الدولة، دبّرت هذه السرقة، واختلست 2.5 مليار دولار من جيوب العراقيّين.

وفي نوفمبر من العام 2022، كشف تدقيق داخليّ أجرته وزارة المالية العراقية، أنّ الهيئة العامة للضرائب، دفعت بشكل احتياليّ نحو 3.7 تريليونات دينار عراقي، أي ما يعادل 2.5 مليار دولار، تم سحبها من مصرف الرافدين الذي تديره الدولة، والموجود داخل مبنى الهيئة العامة للضرائب في بغداد.

وأرسل قسم مكافحة غسيل الأموال في بنك الرافدين، رسالة تحذيرية لوزارة المالية، مؤكدًا أنه يتم سحب معدل كبير من الحسوبات النقدية، وفي الوقت ذاته تلقت وزارة المالية شكاوى متعددة من شركات نفط لم تتمكن من استعادة ودائعها الضريبية.


القوانين المالية العراقية قديمة

ويرى المتخصّص في الشأن الماليّ والمصرفيّ العراقي مصطفى حنتوش، أنّ ملف سرقة القرن لم يُغلق حتى يعيد السوداني فتحه من جديد، لأنّ التحقيقات مستمرة بسحب الرواية الرسمية. مضيفًا: "جزء كبير من أموال سرقة القرن تم تهريبها إلى دول عدة، لكن لا أظن أنّ من السهل استعادة هذه الأموال".

ويشرح حنتوش أنّ المبالغ الهائلة التي تمت سرقتها، حوّلت القضية من قضية محلية إلى قضية دولية، تحتاج أن يكون العراق عضوًا في منظمات غسيل الأموال العالمية لاستعادتها، والعراق ليس عضوًا في مثل هذه المنظمات، إضافة إلى أنّ الدول التي تم تهريب الأموال إليها، لديها قوانين اقتصادية معقّدة، لذلك استعادة الأموال من الخارج صعبة.

ويرى حنتوش أنّ الحكومة العراقية يجب أن تكون حاسمة في ملف سرقة القرن، لأنّ هذا النموذج إذا مرّ مرور الكرام، سوف يفتح الباب في المستقبل لسرقات أكبر وأضخم، خصوصًا أنّ القوانين المالية العراقية، هي قوانين قديمة ومتعبة، ومن السهل جدًا التحايل عليها، لأنه لم يتم تجديديها منذ ثمانينيات القرن الماضي.

وحول القوانين العراقية، يقول حنتوش:

  • تخضع قضية سرقة القرن لقانون الضريبة رقم 113 لعام 1982 المعدل تعديلات بسيطة.
  • تقول المادة 49 من القانون، إنه خلال 5 سنوات أيّ أمانات ضريبة يجب أن تُعاد، وبالتالي تبقى هيئة الضرائب مسيطرة على هذه الأموال.
  • لكن برأيي يجب أن يتم تعديل هذا القانون، بحيث تضع الخزينة العامة للدولة يدها على الأموال بعد مرور شهرين فقط أو شهر واحد.

أموال العراقيين

ويضيف حنتوش: "عدم قدرتنا كاقتصاديّين على صياغة أو اقتراح قوانين جديدة، تناسب الوضع العراقي، وتمسّك العقلية المركزية بالقوانين القديمة في العراق، هو الذي يفتح الباب لمثل هذه السرقات، حيث أصبح من السهل السرقة في العراق، لعدم وجود قوانين تحمي المال العام أو تحقق الشفافية في العمل الاقتصادي".

كيف سيحسن استعادة الأموال الخزينة العراقية؟، يجيب حنتوش: "استعادة الأموال عملية داعمة للأمانات الضريبة (الأمانات الضريبية هي عبارة عن مبالغ تؤخذ من شركات على تخمينات حقيقية)، يتم أخذ الضريبة على البضاعة كاملةً، وتحوّل إلى خزينة الدولة، الجزء الأكبر من الضمانات هي للدولة وجزء منها للشركات، إذًا استعادة هذه المبالغ سيعزز خزينة الدولة وسيعيد في الوقت نفسه الشركات التي لها حق بالأمانات الضريبية، لتستعيد أماناتها بكل سهولة".

ويعاني العراق انتشار الفساد في معظم مفاصل الدولة والمؤسسات الحكومية، بينما يعيش المواطن العراقيّ الفقر والبطالة ونقص الخدمات، حيث جاء العراق في المرتبة 157 بين 180 دولة على مؤشر منظمة الشفافية الدولية.