داخل مصنع الموت الأشهر التابع للرئيس السوري السابق بشار الأسد، أصبحت الإعدامات شنقا حدثا روتينيًا. مرة كل شهر، قرابة منتصف الليل، ينادي الحراس في سجن صيدنايا على أسماء المحكومين، وغالباً ما يكونون بالعشرات.
يلفّون الحبال حول أعناقهم، ثم يسحبون الطاولات من تحت أقدامهم، وسط صرير يتردد صداه في أرجاء المبنى، وفي الزنزانات المجاورة يسمعون أصوات الاختناق وهم يلفظون أنفاسهم الأخيرة.
لكن في منتصف مارس 2023، تسارعت وتيرة عمليات الإعدام بشكل كبير، وفقاً لشهود تحدثوا إلى صحيفة "وول ستريت جورنال" التي عرضت في تقرير جديد أسرار أكثر الأماكن دموية في عهد الأسد.
إعدام جماعي
قال عبد المنعم القايد وهو مقاتل سابق في صفوف المعارضة يبلغ من العمر 37 عاماً، أُلقي القبض عليه بعد أن سلّم نفسه معتقداً أنه سيستفيد من عفو حكومي: "جمعوا 600 شخص وقتلوهم خلال 3 أيام، بمعدل 200 كل ليلة".
جريمة القتل الجماعي هذه، التي لم يُكشف عنها من قبل، وقعت بالتزامن مع استعداد الرئيس السوري للخروج من عزلته الدولية. فبعد أكثر من عقد من القصف والتعذيب والهجمات الكيماوية لسحق المعارضة، كان الأسد يجري محادثات مع أطراف إقليمية للتمهيد لإعادة سوريا إلى الجامعة العربية.
لكن الانهيار المفاجئ لنظام الأسد أواخر العام الماضي كشف مدى سوء تقديرات المجتمع الدولي. ففي إحدى أولى خطواتهم عند دخولهم دمشق فجر يوم 8 ديسمبر، اقتحم المحتجون السجن وأطلقوا النار على الأقفال، محررين من تبقى من السجناء، وكاشفين النقاب عن واحدة من أبشع عمليات القتل الممنهجة التي ينفذها نظام ضد شعبه منذ الحرب العالمية الثانية.
داخل مجمّع خرساني محاط بالأسلاك الشائكة على سفح جبل قرب دمشق، نفذ النظام عمليات تعذيب وقتل جماعي على نطاق واسع، يُرجح أنها أودت بحياة عشرات الآلاف على مدى أكثر من عقد. وكان القتل يجري بأسلوب بيروقراطي نادراً ما يُشاهد في العصر الحديث، فقد احتفظت أجهزة الأمن بسجلات دقيقة عن تحويل المعتقلين إلى السجن ومراكز أخرى، وسُجّلت وثائق المحكمة وشهادات الوفاة للمعدومين.
تعليقًا على ذلك، قال السفير الأميركي السابق ستيفن راب: "إنه أسوأ فظائع القرن الـ21 من حيث عدد الضحايا وطريقة تورط الدولة مباشرة. أرى تشابهاً واضحاً مع النازيين وروسيا السوفياتية من حيث طبيعة الإرهاب المنظم من قبل الدولة".
وتمثل قدرة الناجين اليوم على التحدث علناً، ونشر أسمائهم ووجوههم، دليلاً على مدى التحول الذي أحدثه انهيار النظام في المجتمع السوري. وكان من بين المعتقلين في صيدنايا خلال الحرب منشقون عسكريون، ومقاتلون معارضون، وناشطون سلميون، إضافة إلى عالم نووي ومهندس اعتُقل لمجرد أنه كان صديقاً على "فيسبوك" لشخص انتقد النظام.
كان صيدنايا، المعروف رسمياً باسم "السجن العسكري الأول"، أكبر مراكز الإعدام التي أقامها نظام الأسد لبثّ الرعب في نفوس السوريين وكسر الانتفاضة المسلحة منذ عام 2011.
تحوّل اسم "صيدنايا"، البلدة الجبلية الصغيرة، إلى مرادف للاختفاء والقتل. عبارة "ضاع بصيدنايا" باتت تعني أن الشخص اختُطف ولم يُرَ مجدداً.
وبالإضافة إلى الآلاف الذين أُعدموا، يُقدّر أن عددا مماثلا لقوا حتفهم داخل السجن بسبب التعذيب الوحشي والظروف اللاإنسانية، من ضرب بالأنابيب المعدنية، إلى التجويع والعطش والأمراض.
في زنزانات معدنية مليئة بالقمل ولا نوافذ لها، كان السجناء يُمنعون من النظر في عيون الحراس تحت طائلة الضرب حتى الموت.
"مجزرة واحدة كبيرة"
قال علي أحمد الزوارة، مزارع من ريف دمشق اعتُقل عام 2020 لتهربه من الخدمة العسكرية وكان يبلغ 25 عاماً آنذاك: "صيدنايا كان كابوساً.. مجزرة واحدة كبيرة.. كل من دخل لم يخرج تقريباً".
أما من أُفرج عنهم في ديسمبر، فهم قلة نادرة من بين أكثر من 160 ألف سوري اختفوا قسرياً على يد النظام، وفقاً لـ"الشبكة السورية لحقوق الإنسان".
بعض العائلات لا تزال تأمل أن يكون أحباؤها أحياء، فيما تعيش عائلات أخرى نوعاً من الحداد الغريب، حيث تقبلت فكرة موتهم دون معرفة الكيفية أو الوقت أو حتى فرصة دفنهم.
قالت دينا كش، زوجة عمّار دارا، تاجر جملة اعتُقل عام 2013 وهو في الـ46 من عمره: "نعلم أنه انتهى به المطاف في صيدنايا، لكن لا نعرف ما حدث له. لم نستلم الجثة".
وأضافت: "نقول: رحم الله روحه، ثم نضيف: سواء كان حياً أو ميتاً".
شُيّد السجن في ثمانينيات القرن الماضي خلال حكم حافظ الأسد، والد بشار، وورثه الابن مع كامل المنظومة الأمنية حين استلم السلطة عام 2000.
مع بداية الثورات في المنطقة عام 2011، انطلقت التظاهرات في سوريا مطالبة بالحرية. في ذلك الوقت، كان محمد عبد الرحمن إبراهيم، شابًا يبلغ 26 عامًا، يدرّس الرياضيات. لكنه جُنّد في جيش النظام، ثم انشق عام 2013، وانضم لفصيل معارض ثم انسحب منه وبدأ حياة معزولة داخل مناطق المعارضة.
"هددوه باغتصاب أمه وأخته"
في عام 2018، ومع إعلان النظام عفواً بضمانة روسية، قرر إبراهيم تسليم نفسه. لكنه حين دخل مقر الشرطة العسكرية بدمشق، صرخ فيه الضابط: "تفو عليك، مين عطاك هالعفو؟"، ثم ألقوا به إلى فرع استخبارات سلاح الجو، وهناك عُلّق من معصميه بالسقف، وهددوه باغتصاب أمه وأخته حتى اعترف تحت التعذيب.
"ربما وقّعت على أمر إعدامي، لا أعلم"، يقول إبراهيم، الذي يبلغ الآن 40 عاماً.
في صباح يوم من أبريل 2019، نُقل إلى صيدنايا، وهناك بدأ ما يُعرف بـ"حفلة الترحيب"، حيث جُرّد من ملابسه، ووُضع داخل إطار مطاطي لضربه، ثم أُدخل زنزانة مزدحمة، عارياً، يرتجف من البرد.
وقال: "كنا نمسك بعضنا بحثاً عن دفء"، حيث إن أرض الزنزانة كانت تغمرها المياه القذرة من مرحاض الطابق.
ثم بدأت الحياة داخل السجن: ضرب متواصل، تجويع، إذلال. لا يُسمح بالحديث سوى همساً، لا كتب، لا ورق، لا أقلام. في إحدى المرات، شرب أحد السجناء من المرحاض بسبب العطش، ومات بعد أيام.
وقال محمود وردة: "بدأنا 25 شخصاً في الزنزانة، وبقي 8 فقط".
أما محمد عفيف نائفه، الموظف البلدي في دمشق، فقد طلب منه الأمن عام 2011 أن يدفن جثثاً مجهولة المصدر في مقبرة. لاحقاً، ازدادت الأعداد، وأُحضر جرّاف لفتح مقابر جماعية. بعض الجثث كانت مكبلة بالحبال، بعضها ما يزال يحمل الحبل حول رقبته، قادمة من صيدنايا.
نائفه انشق عام 2017 وهرب إلى ألمانيا، حيث أدلى بشهادته في محكمة جرائم حرب. يقول: "لقد دمرني ذلك نفسياً. لا أزال أرى الكوابيس".
"الأمر انتهى"
المقبرة الجماعية في قُطَيفَة شمال دمشق توسعت بين 2014 و2019 لتصل إلى 40 ألف متر مربع، وفق صور أقمار صناعية حللها مركز أبحاث ألماني.
اليوم، وبعد أن أطاحت فصائل معارضة بالأسد، تواجه الحكومة الجديدة في دمشق تحديات هائلة، أهمها: كيف ستُحقق في جرائم النظام؟ وكيف ستساعد العائلات على العثور على أحبائها المفقودين؟
الوعد قائم بتشكيل لجنة للتحقيق، وقد سُمح للمحققين الأمميين بزيارة صيدنايا. لكن لم يُقرر بعد شكل التحقيق، ولا مدى مشاركة الهيئات الدولية فيه.
زار محمد إبراهيم السجن كمواطن حر لأول مرة في فبراير. دخل المبنى، أشار إلى زنزانته، والمكان الذي عُذب فيه.
قال: "أسمع الصرخات.. أسمع صوت الضرب.. كأن المشهد يتكرر أمامي".
ثم أضاف: "كنت خائفاً أن أنام بعد خروجي. كنت أعتقد أني أحلم وسأستيقظ في صيدنايا. الآن أعلم أن الأمر انتهى فعلاً".