hamburger
userProfile
scrollTop

exclusive
 احتجاجات جيل زد بالمغرب.. التخريب يكسر السلمية وسط غياب الوساطة

المشهد

احتجاجات المدن المغربية الكبرى تضع الحكومة أمام مطالب اجتماعية (أ ف ب)
احتجاجات المدن المغربية الكبرى تضع الحكومة أمام مطالب اجتماعية (أ ف ب)
verticalLine
fontSize
هايلايت
  • جيل زد يكسر صمت الشارع مطالبًا بإصلاح الصحة والتعليم.
  • مأساة وفاة الحوامل في المستشفى كانت الشرارة الأولى للحراك.
  • غياب مؤسسات الوساطة سرَّع التحول نحو حركات شبابية عفوية.
  • الاحتجاجات السلمية تخللتها فوضى وتخريب للمتلكات العامة والخاصة.

على نحو لم تشهده المملكة منذ سنوات ما عُرف بـ"الربيع العربي"، تحولت شوارع المدن المغربية فجأة إلى ساحة غضب، حيث انكسر صمت الشباب المطبق ليُطِلَّ برأس حركة احتجاجية، يقودها شباب أطلقوا على أنفسهم أبناء "جيل زد" (GenZ 212)، الذين لم يكتفوا بالانتقاد خلف الشاشات والعوالم الافتراضية، بل قرروا خوض معركة مباشرة في الشوارع، مطالبين بإصلاح هيكلي لقطاعي الصحة والتعليم، وموجهين رسالة قوية للحكومة المغربية التي تعيش سنتها الأخيرة ضمن ولايتها التي تمتد لـ5 سنوات.

غير أن هذا الحراك الشبابي الجديد، سرعان ما انقاد إلى الفوضى والتخريب، وهو ما اضطر التعامل معه بمقاربة أمنية متوازنة، راعت الحفاظ على الأمن العام والممتلكات، وتطبيق القانون بحق الخارجين عنه.

شرارة احتجاجات جيل Z

لم يبدأ الحراك الشبابي المغربي ببيان سياسي، بل بصرخة ألم انطلقت من أمام المستشفيات العمومية، فكانت البداية مأساة إنسانية هزت الرأي العام المغربي عقب تسجيل 8 حالات وفاة لنساء حوامل في مستشفى الحسن الثاني العمومي بأكادير جنوب البلاد، لتكشف واقعًا مريرًا بهذا المستشفى الذي يمثل واحدًا من عشرات المستشفيات العمومية التي تعاني من نقص كبير في التجهيزات والكوادر الصحية والأدوية.

ولم تكن حادثة وفيات النساء بأكادير مجرد حادث عابر، بل مثلت نقطة الانهيار التي كشفت عن هشاشة وواقع مزرٍ لقطاع الصحة العمومية، وتناقض صارخ بين ما يتم التصريح به، وما يعيشه المواطن المغربي على أرض الواقع، ليتحول الغضب أمام المستشفى إلى غضب عام على واقع الصحة ليتمَّ الإعلان عن تنظيم تظاهرات أمام المستشفيات العمومية للمطالبة بإصلاحها.

التقط شباب "جيل زد"، المنظمون عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي، خيط الأزمة. خلال أيام معدودة، خرجت تظاهرات عابرة للمدن، من الرباط والدار البيضاء إلى مراكش ووجدة وطنجة، رافعة شعارات تجاوزت إصلاح المستشفيات لتطالب بالقضاء على الفساد وتغيير الأولويات الوطنية، ساخرة من الإنفاق على مشاريع كبرى مثل استضافة كأس العالم 2030 على حساب الخدمات الاجتماعية الأساسية كالصحة والتعليم، وفق تعبيرهم.

غياب مؤسسات الوساطة

وفي السياق ذاته، ذهب مصطفى بنزروالة، أستاذ باحث في علم الاجتماع السياسي والحركات الاحتجاجية، إلى تفسير هذا الحراك الشبابي الجديد بالقول إن الإمعان في القتل الرمزي لمؤسسات الوساطة منذ عقود وتعويضها بواجهات تنظيمية بيروقراطية سرَّع من وتيرة التحول على مستوى بنية الخطاب الاحتجاجي بالمغرب.

وأضاف بنزروالة في حديث خاص لمنصة "المشهد" أن ديناميات ما يُسمى بـ"جيل زد" هي جزء من هذا التحول بحيث انتقلنا من حركات اجتماعية واحتجاجية منظمة ومؤطرة إلى سلوكات جماعية عفوية وتعبيرات متمردة يصعب ضبطها أو تقليم أظافرها أو التنبؤ بنتائجها ومخرجاتها، والنتيجة الآنية هي ضعف مزمن في التأطير والمواكبة والتوجيه، فعوض أن يؤطِّر الحزب والنقابة والجمعية أصبحنا أمام فاعلين جُدد (روابط الألتراس/ مجموعات شبكية افتراضية على "ديسكورد" ومختلف وسائل التواصل الاجتماعي...).

"كما أصبحنا اليوم أمام خطابات جديدة متخففة من الإيديولوجيا ومتحررة من التحزب وضيق الانتماء، ومنفصلة عن حقل لغوي ودلالي مرتبط بثقافة شبه هجينة تحيل على توتر هوياتي وضبابية في فكرة الانتماء". يضيف الباحث في علم الاجتماع السياسي.

حراك لا ناظم له 

ووصف بنزروالة الخطاب الاحتجاجي الجديد لـ"جيل زد"، بأنه خطاب يوظف لغة وسيطة بين الدارجة ومفردات الشارع الإنجليزي والأميركي، بل ألفاظ وعبارات بجرعة زائدة من التخفف الأخلاقي عبر توظيف كلمات وعبارات نابية في غير مرة، ناهيك عن آليات وإستراتيجيات تعبئوية تتجاوز المناشير والبيانات والبلاغات إلى (التاغ والكتابة على الجدران (الغرافيتي) وعلب التواصل الإلكتروني...) واستخدام الأهازيج عوض الشعارات، حيث لا يمكن التمييز بين فضاء عام، وبين فضاءات الترفيه والملاعب والصالات الرياضية.

وأشار المتحدث إلى أنه أمام هذا الخطاب الجديد، فمن الطبيعي أن حراكًا لا ناظم له ولا مرجعية تؤطره ولا خلفية إيديولوجية تبني وتساهم في خلق خطاب احتجاجي مطلبي واضح، من الطبيعي أن توازيه إمكانية الانزياح عن السلمية نحو تعبيرات عنيفة ومواجهات مع القوات العمومية والسلطات المحلية. فنحن أمام جيل انفعالي بامتياز قادر على الخروج مناصرة واحتفالًا وقادر في الوقت ذاته على الخروج احتجاجًا ومطالبة كما قد ينزاح نحو ممارسات العنف والمواجهة.

عنف غير مبرّر

في الأيام الأولى للحراك الشبابي، كان رد الفعل الحكومي الرسمي هو "الصمت المطبق". وفي ظل غياب أيّ موقف سياسي واضح، أو التزام فوري بالحوار من طرف الحكومة، تُرِك الميدان للشباب وقوات الأمن التي حاولت الحفاظ على الأمن العام خلال التظاهرات السلمية. وقد فُسّر هذا الصمت من قبل المحتجين كنوع من "التجاهل المتعمد" لمطالبهم.

استمرت التظاهرات المنسقة في شوارع المدن الكبرى، قبل أن تبدأ في الخروج عن سلميتها، حيث تم تسجيل بعض الانفلاتات المتفرقة، وهو ما عجّل بتدخل السلطات الأمنية، لِتَتحوَّل وقفات عدة إلى مواجهات عنيفة، استخدمت فيها القوة لتفريق المتظاهرين، تلتها حملات توقيف واسعة طالت عشرات الشباب في مختلف المدن، قبل أن يتم إطلاق سراح بعضهم والاحتفاظ بآخرين.

بيان وزارة الداخلية

وفي السياق، خرجت وزارة الداخلية لتوضح للرأي العام مبررات التدخل لفرض الأمن وحماية الممتلكات. فقد أكد الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية المغربية، رشيد الخلفي، أن القوات العمومية باشرت يوم الثلاثاء 30 سبتمبر 2025 بعدد من مناطق المملكة، مجموعة من العمليات والتدخلات النظامية الرامية إلى حفظ الأمن والنظام العامين، حرصت فيها على تدبير حركية هذه الأشكال الاحتجاجية بشكل يضمن حماية الأمن والنظام العامين من جهة، والوقاية دون تسجيل أي تهديد لأمن المواطنين وسلامتهم من جهة ثانية، بالإضافة إلى اتخاذ كافة التدابير اللازمة لصون الحقوق والحريات الفردية والجماعية.

وأضاف المتحدث أن بعض هذه الأشكال الاحتجاجية عرفت تصعيدًا خطيرًا مسَّ بالأمن والنظام العامين، وذلك بعدما تحولت إلى تجمهرات عنيفة استعمل فيها مجموعة من الأشخاص أسلحة بيضاء وزجاجات حارقة والرشق بالحجارة، مما تسبب، إلى غاية مساء الثلاثاء، في إصابة 263 عنصرًا من القوات العمومية بجروح متفاوتة الخطورة، و23 شخصًا آخرين، من بينهم حالة استدعت الخضوع للمتابعة الطبية بوجدة، إضافة إلى إضرام النار وإلحاق أضرار جسيمة بـ 142 عربة تابعة للقوات العمومية و 20 سيارة تابعة للخواص.

أعمال نهب وتخريب

كما عمد المحتجون لاقتحام عدد من الإدارات والمؤسسات والوكالات البنكية والمحلات التجارية، وقاموا بأعمال نهب وتخريب في داخلها، بكل من آيت اعميرة بإقليم اشتوكة آيت باها، وإقليم إنزكان آيت ملول وأكادير إداوتنان وتزنيت ووجدة، واعتراض سيارة إسعاف تابعة للوقاية المدنية ومنعها من تقديم المساعدة ونقل الأشخاص المصابين.

وأكد الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية أنه جرى التعامل، وفق القانون، مع الأشخاص الذين أصروا على خرق الترتيبات الأمنية، حيث أخضع البعض لإجراءات التحقق من الهوية تحت إشراف النيابة العامة، فأُطلق سراحهم مباشرة بعد استكمال المسطرة القانونية. فيما تم وضع 409 أشخاص تحت تدابير الحراسة النظرية بتعليمات من النيابة العامة المختصة.

بيان الأغلبية الحكومية

مع تزايد حدة الاحتجاجات، حاولت الأغلبية الحكومية كسر الجمود بإصدار "بلاغ سياسي" يعلن "تفهمها للمطالب الاجتماعية"، ويؤكد استعدادها للحوار مع الشباب. لكن هذا البيان، الذي لم يصدر عن مؤسسة حكومية دستورية بل عن تحالف الأحزاب المشكلة للحكومة، بحسب مراقبين، قوبل من البعض بالرفض والتشكيك خصوصًا أنه لم يتضمن إجراءات عملية لوقف التصعيد واحتواء الوضع.

وفي هذا الصدد، أوضح المحلل السياسي محمد اليونسي أن تعامل الحكومة المغربية مع الأحداث لم يرْقَ للمستوى المطلوب، حيث لم يخرج أيّ مسؤول حكومي للتواصل مع المواطنين وتلطيف الأجواء، واكتفت أحزاب الأغلبية الحكومية بإصدار بيان يتيم لم يفصح عن إستراتيجية الحكومة للتعامل مع هذا الوضع. 

المغاربة يرفضون التخريب

وأشار اليونسي إلى أن هذا النوع من البلاغات هو محاولة لكسب الوقت وامتصاص الغضب، حيث يفتقر إلى "القوة الإلزامية" ولا يمثل التزامًا حكوميًا حقيقيًا يمكن البناء عليه لكونه صادرًا عن جهة سياسية لا صفة دستورية لها، فقد أظهر جيل زد وعيًا سياسيًا لافتًا، رافضًا "الوعود الفضفاضة" ومطالبًا بإصلاحات ملموسة.

في المقابل، شدد اليونسي، على أن هذا الحراك الشبابي الذي بدأ بشكل سلمي ليتطور في بعض مناطق المغرب إلى عنف وتخريب بعض الممتلكات العامة والخاصة، خصوصًا بعد انضمام فئات عريضة غير مؤطرة، بعضها معروف بإثارة الشغب، كان محط استنكار واستهجان من طرف غالبية الشعب المغربي المعروف بتشبثه بالأمن والاستقرار.

مقاربات غير متوازنة

وذكر اليونسي أن المقارنة الحاصلة اليوم بين كفاءة ونجاعة الدولة في الاستعداد للاستحقاقات الرياضية العالمية من بناء الملاعب وتوسيع الطرق، لا توازيها نفس الكفاءة والنجاعة في بقية القطاعات الاجتماعية خصوصًا قطاعي الصحة والتعليم اللذين يشهدان تراجعًا كبيرًا، وهو ما تؤكده الأرقام سواء من طرف المنظمات الدولية أو الوطنية. بيد أن الحكومة اليوم مطالبة بإعادة النظر في أولوياتها حفاظًا على السلم والاستقرار.

وذهب المتحدث إلى أنه يعتقد أنه في حال استمرت الاحتجاجات، فسنكون في حاجة إلى جواب سياسي، سواء بإعفاء الحكومة وتعيين حكومة تصريف أعمال إلى حين تجاوز الأزمة، ثم الذهاب إلى إجراء انتخابات مع احترام مدة الولاية التشريعية الحالية، أو إسقاط الحكومة والذهاب مباشرة إلى انتخابات سابقة لأوانها.

ومن المعلوم أن الدستور المغربي يتوفر على الآليات الضرورية للخروج من هذه الأزمة، حيث يمكن لرئيس الحكومة أن يقدم استقالته، كما يمكن للملك باعتباره الممثل الأسمى للدولة ورمز وحدة الأمة وضامن دوام الدولة واستمرارها والحكم بين مؤسساتها أن يقوم بإعفاء الحكومة من مهامها.

وأعتقد أنه قبل الوصول إلى هذه المرحلة يجب أن تُستَغَل المؤسسات الدستورية، خصوصا البرلمان، في مساءلة الحكومة، التي يجب أن تُنصت لمقترحات ممثلي الأمة وتترجمها على أرض الواقع، بما يعيد الثقة لمؤسسات الوساطة.

قطاع الصحة.. حلول جزئية لأزمة شاملة

في خضم هذا المشهد المضطرب، حاول وزير الصحة والحماية الاجتماعية، أمين التهراوي، تقديم بارقة أمل وصَرَّحَ في جلسة برلمانية مطولة بتفهمه لمطالب الشباب الاجتماعية، وكشف التدابير التي اتخذتها وزارته لمواجهة المشاكل التي تتخبط فيها المنظومة الصحية العمومية، متحدثًا عن خطط لتوفير الأدوية ومعالجة النقص في الأطر البشرية وإصلاح المستشفيات.

وقال التهراوي إن مطلب إصلاح قطاع الصحة يتصدر قائمة الاهتمامات الرائجة في الوقت الحالي، وهو مطلب مفهوم. مشيرًا إلى أن مشروع الإصلاح الشامل للقطاع الصحي الذي تشتغل الحكومة على تنزيله هو السبيل للتعاطي مع الانتظارات المرتفعة، والمتمثلة في نيل خدمات علاجية وصحية ذات جودة تستند إلى مبادئ احترام كرامة المرضى في كافة مناطق التراب الوطني.

وقدم التهراوي أرقامًا حول المشاريع الصحية الجديدة والقائمة، ومضاعفة نسبة توظيف الكوادر الصحية لسد الخصاص، خصوصًا في المناطق المعزولة، حيث انتقل عدد موظفي القطاع من أطباء وممرضين وتقنيين وإداريين من نحو 45 ألفًا سنة 2019 إلى أزيد من 59 ألفًا سنة 2025، أي بزيادة تناهز 30%.

وكشف الوزير المغربي أن وزارته تعمل على تسريع وتيرة بناء وتأهيل المستشفيات والمراكز الصحية عبر مختلف جهات البلاد، حيث توجد العديد من المشاريع الاستشفائية الكبرى التي أُنجزت أو في طور الإنجاز أو البرمجة، من شأنها توفير أزيد من 3500 سرير جديد بمختلف جهات المملكة، إضافة إلى مواصلة بناء 1400 مركز صحي موزعة على 76 إقليمًا، و7 مراكز استشفائية جامعية ستعزز العرض الصحي المتخصص. 

كما تم خلال الفترة الممتدة ما بين 2022 و2025 تأهيل 22 مستشفى بطاقة استيعابية بلغت 2.433 سريرًا، شملت مستشفيات جهوية وإقليمية ومراكز متخصصة في عدد من الجهات، بحسب الوزير.