شهدت الساحة السياسية الكردية مؤخراً سلسلة لقاءات بين زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني ورئيس الاتحاد الوطني الكردستاني بافل طالباني، وُصفت بأنها الأكثر جدية منذ بدء المفاوضات بين الحزبين الحاكمين، التي ستؤدي إلى تفعيل برلمان إقليم كردستان وتشكيل الحكومة الجديدة المنتظرة، بعد مرور نحو عام على الانتخابات في 20 أكتوبر الماضي.
وتداولت مواقع إعلامية كردية، أن الاجتماع الأخير بين زعيمي الحزبين مسعود بارزاني وبافل طالباني يوم الثلاثاء الماضي، جاء بعد ضغط أميركي على الأخير خلال زيارته لواشنطن لتسريع تشكيل الحكومة وتفعيل البرلمان وإنهاء حالة الخلاف حول إعادة توزيع المناصب. بينما يرى محللون سياسيون أن واشنطن ترغب أن ترى الحكومة الكردية النور بالتزامن مع الانتخابات البرلمانية في العراق المقررة في 11 نوفمبر المقبل.
الاتحاد الوطني الكردستاني
وتعليقاً على ذلك، يقول القيادي في حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، عباس كاريزي لمنصة "المشهد" إن الحديث عن ضغوط أميركية على بافل طالباني غير دقيق، بل توجد رغبة أميركية بتسريع تشكيل الحكومة في إقليم كردستان، لأن أميركا ترغب بتشكيل حكومة فاعلة في الإقليم قادرة على توقيع اتفاقيات جديدة، وإنهاء حالة الخلاف بين الأحزاب الكردية، كما أن طالباني ألتقى بشخصيات مهمة في الإدارة الأميركية، وكانت التوجهات الأميركية إيجابية تجاه تسريع تشيكل الحكومة في إقليم كردستان.
وربط محللون سياسيون الرغبة الأميركية بتسريع تشكيل الحكومة الكردية بنيّة واشنطن بتقريب وجهات النظر بين الحزب الديمقراطي في أربيل والاتحاد الوطني في السليمانية، بالضغط على الأخير لتقليص علاقاته بإيران،.
وفي هذا الإطار، قال كاريزي إنه من خلال زيارات الممثلين السياسيين الأميركيين لمسنا رغبتهم بتحقيق الاستقرار في إقليم كردستان، لكن لا يوجد أي ضغوط حول علاقة السليمانية بطهران، لأنها لا تختلف عن علاقاتنا مع باقي الدول، لكن خصوصيتها هي الحدود الطويلة بين الإقليم وإيران، التي تزيد عن 600 كيلومتر مربع، والجانب الأميركي يدرك معادلة الحدود المشتركة التي تتطلب علاقات ثنائية للتنسيق المستمر وضمان الاستقرار والأمن.
وأسفرت نتائج انتخابات إقليم كردستان التي جرت في أكتوبر الماضي عن مشهد سياسي كردي معقد، حيث لم يتمكن أي من الحزبين الرئيسيين من تحقيق الأغلبية البرلمانية المطلوبة لتشكيل الحكومة بمفرده، وفق معادلة النصف+1، ما أدى إلى تأجيل تشكيل الحكومة العاشرة في الإقليم حتى الآن.
وتدول الأحاديث في الأوساط السياسية الكردية، أن الاتحاد الوطني يرغب بالحصول على بعض المناصب الأمنية داخل وزارة الداخلية في إقليم كردستان بينما يرفض الحزب الديمقراطي ذلك، يجيب كاريزي:
- الاتحاد الوطني الكردستاني يريد أن يكون شريكا حقيقيا في الحكومة الجديدة، إذاً الشراكة في الحكومة هي سبب الخلاف وليس توزيع المناصب، نريد تشكيل حكومة تشاركية ائتلافية جامعة تضمن مصالح شعب إقليم كردستان، ولا يهيمن عليها حزب واحد.
- وخلال الاجتماع الأخير لاحظنا تطوراً في مسألة التفاوض، كما سيتم عقد اجتماع قريب بين اللجان التفاوضية، وسترى الحكومة النور قريباً.
اجتماع بارزاني وطالباني
وبعد الاعلان عن الاجتماع الأخير بين بارزاني وطالباني، تداولت مواقع التواصل الاجتماعي منشورات إيجابية لمواطنين أكراد يأملون بتحسن الأوضاع السياسي وتفعيل البرلمان وتشكيل الحكومة، مما سيعود عليهم بالنفع خصوصا في ظل أزمة رواتب موظفي الإقليم، عن ذلك يقول النائب عن كتلة الحزب الديمقراطي الكردستاني أردلان نور الدين، لمنصة "المشهد" إنه سيتم استئناف عمل جلسات البرلمان هذا الشهر، وإن الاجتماع الأخير أدى إلى تطورات إيجابية في اتجاه تشكيل الحكومة القادمة.
وفي سياق متصل، يرى المحلل السياسي محمد زنكنة، أنه حسب المعلومات التي وردت بعد الاجتماع الثنائي بين الحزبين، إن الرئيس مسعود بارزاني قدّم مبادرة لتشكيل الحكومة الجديدة، لكن لم يتم الإعلان عنها من قبل الحزب الديمقراطي الكردستاني ولا توجد لها أي تفاصيل حولها، لكن نعتقد أنها تضمنت استبدال بعض المناصب الوزارية وتوزيعات أخرى، أيضاً تضمنت مسائل تتعلق بترتيب البيت الكردستاني في بغداد وأربيل.
ويوضح زنكنة، أن البرلمان الكردي سيبدأ عقد اجتماعاته قريباً، وسيتم انتخاب الرئيس ونائب الرئيس والسكرتير، بعد ذلك ستبدأ الاجتماعات لتشكيل الكابينة العاشرة لحكومة إقليم كردستان بين الحزب الديمقراطي والاتحاد والطوني الكردستاني، إضافة إلى الأحزاب الأخرى التي ستشارك أيضاً في الحكومة الجديدة، لكن بسبب الانشغال بالدعاية الانتخابية للانتخابات البرلمانية العراقية سترحّل مسألة حكومة كردستان إلى مابعد تشكيل مجلس النوّاب العراقي.
وتعليقا على الضغوط الأميركية التي يتعرض لها حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، قال زنكنة:
- لا يوجد دليل بأن بافل طالباني تعرض لضغوط أميركية، لكن هذا الأمر متوقع ليس فقط لقادة الاتحاد الوطني بل لكل من يميل إلى بناء علاقات قوية مع الجانب الإيراني، خصوصاً خلال هذه الفترة حيث توجد تهديدات باستهداف كافة المصالح الإيرانية في العراق.
وحصل الحزب الديمقراطي الكردستاني خلال انتخابات أكتوبر الماضية على 39 مقعدا من مجموع المقاعد البالغة 100 مقعد، يضاف إليها 3 مقاعد لأحزاب مقرّبة منه، بينما حصل منافسه الاتحاد الوطني الكردستاني على 23 مقعدا إضافة إلى مقعدين من مقاعد الأقليات.
أربيل قاعدة واشنطن في الشرق الأوسط
وتأتي تطورات الملف السياسي الكردي بالتزامن مع إعلان وزارة الدفاع الأميركية عن تقليص قواتها في العراق والانتقال إلى مرحلة الشراكة الإستراتيجية، لكن هذا التقليص انتقل من العراق إلى إقليم كردستان، بعد أن أعلنت واشنطن مؤخراً أنها ستخفّض عدد جنودها في العراق إلى أقل من 2,000 جندي معظمهم سيتم نقلهم إلى إقليم كردستان. ما وصفه محللون بأنه رغبة أميركية حقيقية بحل الأزمات السياسية بين الأحزاب الكردية والالتفات إلى جعل الإقليم قاعدة رئيسية للتحالفات الدولية في الشرق الأوسط، على وجه الخصوص تحالفات أميركا مع باقي دول المنطقة.
ويقول الخبير الأمني والسياسي فاضل أبو رغيف لمنصة "المشهد" إن:
- أميركا سبق لها أن نوّهت بشكل صريح بأنها تريد أن تشغل أماكن لها ضمن معسكرات في أربيل، وهي ترى أربيل مقراً مناسباً لقطعاتها العسكرية لجملة اعتبارات من بينها: موقعها الجغرافي القريب والمُطل على إيران وتركيا، تعتبرها قاعدة حماية للمصالح الأميركية في المنطقة.
- واشنطن لا تشعر بأي تهديد حقيقي لها في أربيل أي أنها بعيدة عن مناطق المناكفة كما حصل معها في الأنبار وبغداد.
- كل هذه الدعوات لتسريع تشكيل حكومة إقليم كردستان هي نتيجة لرغبة واشنطن أولاً، وأيضاً وجود نيّة كردية بحل الخلافات بما يعود بالنفع على المشهد السياسي داخل الحكومة الاتحادية من جهة وحكومة الإقليم من جهة أخرى.
يذكر أن أربيل تتمتع بعلاقة إستراتيجية متينة مع واشنطن، تعززت خلال الأعوام الأخيرة عبر التعاون السياسي والعسكري والاقتصادي، وتؤكد الولايات المتحدة بشكل مستمر دعمها المتواصل لإقليم كردستان، كما توجد في أربيل قاعدة حرير العسكرية الأميركية الجوية، التي تعد أقرب نقطة عسكرية أميركية إلى الحدود الإيرانية وتبعد عنها حوالي 115 كيلومتراً.