هي ليست مجرد أحداث عابرة أو حروب اندلعت فجأة بين جارتين متخاصمتين، هي ببساطة تحولات جيوسياسية قد تغير شكل العالم إلى الأبد. هذا ما تحدث عنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب منذ توليه منصبه في يناير، وهذا ما يدعو لتحقيقه في كل تصريح له "إحلال السلام في العالم وإيقاف الحروب" من دون أن يذكر شيئاً طبعا عن الطريق لإتمام هذا السلام.
وبحسب مجلة "نيوزويك" الأميركية، عصر جديد من الخرائط تحت سطوة ترامب، يستعد العالم ليعيشه بعد مخاض مدته غير محددة ونتيجته غير مؤكدة فعليا.
وفي آخر مستجدات جهوده لإحلال السلام في العالم كله، وفي الوقت الذي يمضي فيه قدما لتهدئة الخلافات المشتعلة في مناطق عدة، يستضيف ترامب قمة سلام تاريخية بين خصمين لدودين في جنوب القوقاز.
وفي حين أن تفاصيل الاتفاق المتوقع المدعوم أميركيا بين أرمينيا وأذربيجان لم يتم الكشف عنها بعد، تتم الإشارة إلى جانب رئيسي في الصفقة يحمل اسم "طريق ترامب للسلام والازدهار الدوليين" (TRIPP)، أو ببساطة، "جسر ترامب".
الهدف من "جسر ترامب"
الممر المنوي إقامته يربط أراضي أذربيجان بجمهورية "نخجوان" ذاتية الحكم، ويفتح طريقا مباشرا بين باكو وتركيا، من دون المرور بالأراضي الإيرانية، ما يُضعف النفوذ الجغرافي لإيران في جنوب القوقاز.
وبحسب المجلة، من المرجح أن يمتد تأثير الاتفاق المتوقع، بأي شكل من الأشكال الذي سيظهر فيه في النهاية، إلى ما هو أبعد من البلدين "المتفقين"، إذ ستكون له تداعيات على 3 قوى متاخمة لجنوب القوقاز: روسيا وإيران وتركيا.
وفي حين أن روسيا وإيران قد لا ترحبان بما يجري، تبدو تركيا اللاعب الوحيد من بين اللاعبين الإقليميين الثلاثة الرئيسيين الذين من المرجح أن يرحبوا بالاقتراح الأميركي، وقد بدأت بالفعل في بناء بنى تحتية مناسبة لربط مدينة كارس الشرقية بمقاطعة نخجوان في أذربيجان.
لكن الخطير في الموضوع هو أن هذا الجسر سيمر على حدود إيران، تحت حماية مقاتلين أميركيين، لا ينتمون للجيش الرسمي بل لشركة أمنية خاصة، لها تفويض باستخدام القوة، لحماية الممر.
كل هذا يعني أن "جسر ترامب" هذا لا يفتح ممرا اقتصاديا فقط بل يُغلق على إيران آخر متنفس جغرافي لها في جنوب القوقاز، ويفتح للأميركيين نافذة تطلّ مباشرة على حدودها. إنه وفق مراقبين مشروع يبدو وكأنه "ممر تجاري"، لكنه في الحقيقة مفتاح لصراع جيوسياسي.
تفاصيل الممر موضع الاتفاق المرتقب
وسيربط المشروع المرتقب البر الرئيسي لأذربيجان بمقاطعة نخجوان المعزولة عبر أرمينيا من خلال طريق متنازع عليه بشدة ويعرف في أذربيجان باسم "ممر زانجيزور" وفي أرمينيا باسم "طريق سيونيك".
ويأتي الاتفاق أيضًا في أعقاب التحولات السريعة في جنوب القوقاز، حيث شنت أذربيجان في عام 2023 هجومًا سريعًا للسيطرة على منطقة ناغورنو كاراباخ المتنازع عليها، وتفكيك 30 عامًا من الحكم الانفصالي المدعوم من أرمينيا. والهزيمة، التي أعقبت خسائر فادحة من أرمينيا في حرب سابقة مع أذربيجان في عام 2020، جعلت أرمينيا تعيد النظر في موقفها الإقليمي، بما في ذلك تحالفها مع روسيا والتنافس العميق مع تركيا.
فرصة لترامب والمنطقة
بحسب الخبيرة في الصراعات والأمن في جنوب القوقاز أوليسيا فارتانيان: "ربما يهدف ترامب إلى إضافة هذه المبادرة إلى ترشيحه لجائزة نوبل أو ببساطة تأكيد نيته في إحلال السلام في العالم. ولكن بعيدًا عن الدوافع الشخصية، وبالنسبة للمنطقة، هذا أمر كبير ومهم حقًا".
وتضيف: "هذه الخطوة إلى الأمام - حتى بدون التوقيع النهائي على اتفاق سلام - من شأنها أن تزيد من فرص الاستقرار وتوقف الحروب في المنطقة لفترة أطول".
ولم يخف ترامب سعيه للحصول على اعتراف دولي بمبادراته المستمرة لصنع السلام.
وفي هذا المسعى، سجل تقدماً ملموساً في توفير اتفاقيات تهدئة للصراعات بين صربيا وكوسوفو، وجمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا، وكمبوديا وتايلاند، والهند وباكستان، على الرغم من أن الدور الفعلي الذي أداه البيت الأبيض في أزمة جنوب آسيا التي اندلعت في شهر مايو لا يزال موضع خلاف.
وفيما يتعلق بالصراعين الأكثر دموية اليوم، الحرب بين روسيا وأوكرانيا والحرب بين إسرائيل و"حماس"، ما زال ترامب يناضل من أجل تحقيق تغيرات جذرية.
للمزيد :
- أخبارعن ترامب