وجهت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب "ضربة قاصمة" لجماعة "الإخوان" مما يجعلها أمام منعطف حاسم، بعد توقيع ترامب أمرًا تنفيذيًا لمباشرة الإجراءات والشروط المطلوبة لتصنيف بعض فروع جماعة الإخوان كـ"منظمات إرهابية أجنبية".
ويرى مراقبون أن أدوارهم المتعددة في أعقاب ما عُرف بـ"الربيع العربي" وتقويض الدول الوطنية كما في مصر وتونس والمغرب، إلى جانب ما كشفته حرب غزة من تهديد للغرب، واصطفافهم مع التنظيمات الإرهابية، منها القاعدة و"داعش"، في خطاب عدائيّ تكفيريّ مشترك، أكد أن "المشروع الإخواني" يحمل في جوهره "رؤية تكفيرية".
"الإخوان" يحرضون على العنف
وأصدر ترامب أمرًا تنفيذيًا يوجّه الإدارة الأميركية للنظر في تصنيف عدد من فروع جماعة "الإخوان" في دول مثل مصر ولبنان والأردن كـ"منظمات إرهابية أجنبية" بموجب قانون الهجرة والجنسية، وكـ"كيانات إرهابية عالمية مصنّفة بشكل خاص".
ويُلزم الأمر وزارتي الخارجية والخزانة، بالتشاور مع وزارة العدل وأجهزة الاستخبارات، لتقديم تقرير للرئيس خلال 30 يومًا حول الفروع التي تستوفي معايير التصنيف، على أن تُتخذ الخطوات التنفيذية خلال 45 يومًا من رفع التقرير.
فيما يستند القرار إلى اتهام بعض فروع "الإخوان" بدعم العنف وزعزعة الاستقرار، بما في ذلك المشاركة في هجمات عقب 7 أكتوبر 2023، خصوصًا مع انخراط الجماعة الإسلامية في لبنان (فرع الإخوان الإقليمي بلبنان) في ما عرف بـ"حرب الإسناد" مع "حزب الله" و"حماس".
ومن ثم، "تهديد مصالح ومواطني الولايات المتحدة في الشرق الأوسط". كما يؤكد الأمر على التزام واشنطن بالتعاون مع شركائها الإقليميين لتقويض قدرات هذه الفروع وحرمانها من الموارد.
في حديثها لـمنصة "المشهد"، تقول المحللة السياسية الأميركية إيرينا تسوكرمان، إن تصنيف "الإخوان" كـ"منظمة إرهابية" يمثل "خطوة متأخرة لكنها شديدة الأهمية"، لأنها تنسجم مع الواقع الأمني الإقليمي والعالمي، مشيرة إلى أنّ الجماعة تعمل باعتبارها "شبكة معقدة وأمميّة بينما تخفي خلف نشاطها الخيري والتعليمي بنية لوجستية للتمويل والتجنيد وتوليد الإيديولوجيا المتشددة والعنيفة".
وبحسب تسوكرمان، يطوي التصنيف "المنطقة الرمادية" التي جعلت جماعة "الإخوان" تستغلها لتضاعف نشاطها من خلال "ثغرات قانونية منحتها فرصة التغلغل والتوغل من خلال المجتمع المدني والنشاط الدعوي والتنموي".
وأكدت أن "خطوة الرئيس ترامب سوف تسهل عمل جهات عديدة بما فيها الدول والشركاء الإقليميون لمراقبة النشاط المالي للجماعة عبر البنوك والمصارف فضلًا عن مؤسساتها ومنصاتها الإعلامية والرقمية، وهي جميعها كانت تتخفّى في إطار دعوي أو خيري مدني، بينما في الواقع تباشر دورها المسيّس والإيدولوجي التعبوي الذي يتبنّى كما يحرض على العنف ويساهم في تمويله تنظيميًا وحركيًا".
نهاية حقبة
وتلحّ المحللة السياسية الأميركية على ضرورة أنّ يتخطى التصنيف مجرد "الأسماء" فقط، ليطال "الشبكات الإخوانية"، مع الأخذ في الحسبان عمل "تحديث دوري" لها وكل ما يرتبط بها من بيانات تنظيمية تخصّ الأنشطة الدعوية والسياسية والمصرفية، حيث إنّ "الإخوان لديهم القدرة على إعادة التسمية وإخفاء نشاطهم خلف جمعيات محلية ومراكز تعليمية ومؤسسات بحثية لتفادي العقبات القانونية المتعلقة بالتصنيف الإرهابي".
كما ينبغي الجمع بين إدراج الجماعة على قوائم الإرهاب و"التصنيف الفردي" لبعض الأشخاص المرتبطين بها كما هو حال قِوى الإسلام السياسية، لجهة "ملاحقة الميسّرين الذين لا يعملون عبر كيانات رسمية"، وفق تسوكرمان.
ومن جهته، يرى الباحث في شؤون الإسلام السياسي، الدكتور سامح إسماعيل، أن جماعة الإخوان تواجه منذ حرب غزة تداعيات مختلفة في الدوائر الغربية ولدى إدارة ترامب، موضحًا أن "خطابها التكفيري لحساب حركة "حماس" في حربها ضد إسرائيل شمل أوروبا وواشنطن إلى جانب الدول الإقليمية التي تتصدّى لمشروعها، ومن ثم، ترافق ذلك مع وضع إقليمي مأزوم إلى جانب تنامي العنف من خلال "الذئاب المنفردة" في عواصم غربية".
وبحسب إسماعيل في حديثه لـ"المشهد"، فإن التهديدات التي مثلّتها قوى الإسلام السياسي على "الأمن الإقليمي والعالمي، كشف عن نهاية حقبة تعاملت على نحو انتقائي مع الإسلام السياسي وحاولت الفصل بين جوانبه الدعوية والسياسية من جهة، والتنظيمية والحركية أو أجنحته المسلحة، من جهة أخرى".
وأوضح أنه بعبارة أخرى، كانت هناك محاولات لتصنيف قوى "معتدلة" وأخرى "مسلحة"، لكن "حرب غزة أبرزت أن القوى الإسلاموية قوى متجانسة وكتلة صلبة تتجمع لأهداف إستراتيجية مهما ظهرت خلافات مؤقتة أو مناورات تكتيكية، وذلك ما برز من تحالف الإخوان ووكلاء النظام الإيراني الإقليميين بغزة كما في اليمن ولبنان رغم الخلاف العقائدي الظاهري".
نشاط "الإخوان" يتطابق مع الإرهاب
يتفق مع الرأي ذاته، الباحث المغربي المختص في شؤون الإسلام السياسي والأصوليات الدينية، سعيد ناشيد، والذي يؤكد أنه بصرف النظر عما إذا كان قرار الرئيس الأميركي سيستكمل "مسطرته القانونية" أم لا، فالأمر يتعلق بـ"خطوة متأخرة" في تسمية الأشياء بأسمائها، طالما المشكلة ليست في بعض "التجاوزات" هنا أو هناك، بل في البنية العميقة للفكرة الإخوانية ذاتها.
ويقول ناشيد لـ"المشهد" إنه منذ تأسيسها عام 1928 تَجسَّد تأثير الجماعة في كونها حاضنة أإديولوجية وتنظيمية للتنظيمات الراديكالية المعاصرة، بدءًا من "الجماعة الإسلامية" و"الجهاد" في مصر، وانتهاء بـ"القاعدة" و"داعش" ومثيلاتها، المصنفين على قوائم الإرهاب.
ويشير الباحث المغربي إلى أنّ شهادات مراكز الدراسات العالمية، بل وحتى بعض جلسات الاستماع في الكونغرس الأميركي حول "التهديد العالمي للإخوان المسلمين"، تؤكد أن كثيرًا من رموز الجهادية المعاصرة مرّوا تاريخيًا من بوابة الإخوان قبل أن يشقّوا طريقهم نحو العنف المسلّح.
ويخلص ناشيد إلى أن جماعة الإخوان بنشاطها تتطابق مع تعريف الإرهاب الدقيق الذي هو "استخدام العنف أو التهديد بالعنف ضدّ المدنيين لتحقيق أهداف سياسية أو دينية، أو التحريض المباشر عليه وتمويله".
ويضيف: "قد تورّطت أفرع الجماعة الإقليمية عمليًا في أشكال من العنف المسلح، أو برّرت ذلك، أو وفّرت الغطاء الإعلامي والدعائي له، أو شاركت في خطاب تحريضيّ ضدّ الأقليات ما هيّأ المناخ للهجمات الإرهابية التي نفّذتها تنظيمات أخرى".
وبما أنّ الإخوان حركة عابرة للحدود، ذات قيادة تاريخية، وتمويل دولي، وشبكات ممتدة، فإنّ تصنيفها، على مستوى الدول الكبرى، كتنظيم إرهابي يبعث "رسالةً حاسمة" بأنّ المزج بين العمل السياسي السرّي والعنف لن يُعامل بعد الآن كخلاف "داخلي" في العالم العربي، ويجعل من الصعب على الجماعة استخدام الغرب كمنصة آمنة للتجنيد والتمويل والتأثير على السياسات في البلدان المضيفة، ثم تقديم خطاب آخر تمامًا في بلدان المنشأ، بحسب المصدر ذاته.