hamburger
userProfile
scrollTop

exclusive
 بعد حادثة الدورة.. هكذا تواجه بغداد فوضى السلاح المنفلت

المشهد - بغداد

مستشار سابق في وزارة الدفاع العراقية: السوداني لا يرغب بمحاسبة الفصائل المسلحة (رويترز)
مستشار سابق في وزارة الدفاع العراقية: السوداني لا يرغب بمحاسبة الفصائل المسلحة (رويترز)
verticalLine
fontSize
هايلايت
  • مستشار ائتلاف دولة القانون: لابد من إجراء تحقيق شامل لمعرفة تفاصيل الحادثة.
  • عضو محافظة بغداد: نطالب بمحاسبة الفاعلين وحصر السلاح بيد الدولة.
  • محلل سياسي: تسليم السلاح لا يعني خسارة المنتسبين لوظائفهم.

شهدت دائرة زراعة الكرخ في بغداد، يوم الأحد الماضي، اشتباكات مسلحة أدّت إلى مقتل عراقيَّين اثنين، بينهما مدني صادف مروره أثناء الحادثة، وإصابة 12 من عناصر القوى الأمنية، إثر اقتحام مجموعة مسلحة لمقر مديرية زراعة بغداد في منطقة الدورة (منطقة واسعة جنوب بغداد تطل على الشاطئ الغربي لنهر دجلة)، دعمًا للمدير السابق إياد كاظم الذي رفض قرار إقالته واحتجّ على تسليم منصبه لمدير الزراعة الجديد أسامة حسن سلومي.

وفي تفاصيل الحادثة، شرح مصدر أمني لمنصة "المشهد"، أن رتلًا من عناصر الشرطة الاتحادية توجّه إلى منطقة الدورة جنوب بغداد لفكّ الاشتباكات المسلحة بين مسلحين ينتمون إلى اللواءين 45 و46 في الحشد الشعبي والقوات الأمنية العراقية التي كانت موجودة داخل مديرية الزراعة عندما هاجم عناصر اللواءين دائرة الزراعة، أثناء اجتماع تسلُّم مدير الزراعة الجديد لمنصبه، لمنع ذلك دعمًا للمدير السابق.

ويوضح المصدر أن الاشتباكات بدأت بالرصاص الحي وأدّت إلى مقتل شخصين وإصابة ما لا يقل عن 12 عنصرًا من الشرطة الاتحادية وقوات الأمن، وأدّى صوت الرصاص إلى إخافة الموظفين الذين بدأوا بالتدافع والاختباء داخل المكاتب، ثم تحركت قوة من جهاز مكافحة الإرهاب إلى مكان الاشتباكات أيضًا لإيقاف إطلاق الرصاص.

وفور انتشار خبر الاشتباكات على مواقع التواصل الاجتماعي، عادت النخب العراقية للمطالبة بحصر السلاح بيد الدولة، وإنهاء المظاهر المسلحة، وإعادة سلطة القانون وهيبة الدولة، فيما أصدرت وزارة الداخلية العراقية بيانًا قالت فيه إنها لن تسمح بأيّ تجاوز على مؤسسات الدولة أو تهديد لسلطة القانون، مؤكدة اعتقال 5 مسلحين متورطين في الحادثة. وبعد يوم واحد، أعلنت الداخلية توقيف مدير الزراعة السابق إياد كاظم على خلفية تورطه المباشر في الحادث المسلح.

المواقف السياسية

وفي تطورات الحادثة، اجتمع رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني مع نائب قائد العمليات المشتركة وقائد عمليات بغداد وضباط القوة الأمنية التي تصدّت للاعتداء، وأكدوا ضرورة حماية مؤسسات الدولة والتحقيق لكشف حيثيات ما جرى، وكيف يمكن لجهة مسلحة التدخل بالرصاص بلا موافقة أمنية مسبقة.

في المقابل، أصدرت هيئة الحشد الشعبي بيانًا طالبت من خلاله بعدم التساهل مع المتجاوزين، وجاء في البيان: في إطار الحفاظ على الانضباط والالتزام بالقوانين والتعليمات الصادرة عن القائد العام للقوات المسلحة، نؤكد أننا لن نتساهل مطلقًا مع أيّ فرد يتجاوز الأوامر أو يخالف السياقات الأمنية المتبعة.

وأيّدت كتائب "حزب الله العراقي" موقف الحشد الشعبي، وسارعت إلى إصدار بيان نفت من خلاله تورط عناصرها بهذا الاعتداء، جاء فيه أن "الحادث المؤسف الذي شهدته مديرية زراعة بغداد جاء على خلفية قرار بإقالة مدير وتعيين آخر، ومحاولة المدير السابق الاستعانة بأقاربه ومعارفه ليشهدوا أن المنصب من حقه ولا يجوز إقالته، ثم بلغ الحادث ذروته حين أقدم الضابط عمر العبيدي على فتح النار على الأفراد التابعين للمدير السابق، ما أدى إلى سقوط مصابين، ودفع الأخير إلى الاستغاثة بمعارفه في معسكر الصقر القريب من المنطقة، فتوجهت قوة مسلحة دون أي تنسيق لإغاثة المصابين وتأمين خروجهم".

الفجوة الأمنية

وعلى الرغم من أن جميع الأطراف السياسية والعسكرية أدانت الاعتداء، إلا أن مراقبين يرون أن حادثة الدورة تعكس حجم التصدع داخل مؤسسات الدولة وتسلّط الضوء على الفجوة بين الخطابات الرسمية والواقع الأمني الذي يحكمه السلاح، وعن ذلك يقول المحلل السياسي وائل الركابي لـ"المشهد" إنه "بغض النظر عن اسم وعنوان المجموعة المسلحة التي استهدفت الدائرة الرسمية، فإنه أمر مرفوض، يُعدّ خارج نطاق الدولة ويتعدّى على حُماتها. ورغم استهجان هذا الاعتداء من جميع الأطراف، إلا أنه لا بد من تحرّك فعلي لمنع هذه المظاهر المسلحة، وليس فقط عن طريق البيانات الرسمية".

ويوضح الركابي جذر المشكلة قائلًا: "إذا كل مدير أو موظف شعر بالظلم بسبب إبعاده عن منصبه وتعيين مدير جديد سيعترض ويستعين بمجاميع مسلحة للبقاء في منصبه، إذًا هذه كارثة لا تقلّ إرهابًا عن المجموعة التي استخدمت السلاح، لأنه تمرد على القرار الرسمي للدولة، والمسلّحون تمردوا عسكريا على حُماتها. رغم أننا لا نعرف سبب تمرد المدير السابق، لكن أي موظف عندما يشعر بظلم لا يستحقه، عليه أن يلجأ إلى المحكمة الإدارية الخاصة بالموظفين، لا إلى السلاح".


ويرى الركابي أن الحل الأمثل هو حصر السلاح بيد الدولة، وتأمين خطة بديلة لآلاف الشبان العراقيين الذين ينتمون للفصائل المسلحة ليندمجوا في الدولة، ويشرح ذلك قائلا: "لا بد أن يُسلَّم السلاح للقيادة العامة للقوات المسلحة، ويصبح شأنه شأن أي مؤسسة أمنية أخرى لا يستطيع المنتسب أن يحمل سلاحه خارج أوقات الأداء الوظيفي، كما أن هؤلاء الشبان بعد تسليم سلاحهم لن يبقوا عاطلين عن العمل، بل سينخرطون في الدوائر الرسمية ويحافظون على مرتباتهم، لأن أجورهم تدخل ضمن الموازنة العامة. هذا أفضل حل لهؤلاء الشبان العراقيين لأنهم دافعوا سابقًا عن العراق ضد تنظيم "داعش"، ولا أحد يمكنه إنكار ذلك. لكن حصر السلاح بيد الدولة هو الخطوة الأولى نحو بناء الدولة المدنية مع المحافظة على جميع شبانها".

رأي الإطار التنسيقي

وعلى خلفية الحادثة، أدانت قوى الإطار التنسيقي (الأحزاب الشيعية الحاكمة) الاعتداء ووصفته بالخروج عن القانون. عن ذلك يقول مستشار ائتلاف دولة القانون (تحالف سياسي عراقي برئاسة نوري المالكي) عباس الموسوي لـ"المشهد" إن "رأي الإطار التنسيقي بشكل عام، ورأي دولة القانون بشكل خاص، هو فرض هيبة الدولة، لكن إلى الآن الصورة غير واضحة عما جرى، ولم يصدر بيان من لجنة تحقيقية يوضح الإشكالية التي جرت، وهذه نقطة خطيرة جدًا، لأنه هنالك مجموعة اتجاهات في الشارع العراقي لما حصل. لكننا نؤكد أننا نرفض تحريك أي أفواج عسكرية داخل بغداد إلا بعلم القائد العام للقوات المسلحة وإعطاء أوامر بإطلاق النار، نحن مع قوة الدولة ونرفض كل هذه المظاهر".

وفي سياق متصل، يرى المستشار السابق في وزارة الدفاع العراقية، الدكتور معن الجبوري، أن حادثة الدورة تعطي رسالة سلبية أن السلاح المنفلت لا يزال هو الحاكم، وأن الحكومة العراقية، مهما أعطت من ضمانات وأصدرت بيانات، لم تحقق شيئًا على أرض الواقع، إذ مجرد خلاف إداري أدى إلى قتل 2 وإصابة 12 آخرين، وجميعهم عراقيون. إذًا السلاح المنفلت سيد الموقف في الداخل العراقي، ونرى أن الحكومة لا تحاول أن تفرض حالة جديدة، مثلًا أن تستعمل الدستور العراقي، بل إنها تحاول ترحيل المشهد إلى ما بعد الانتخابات، لأن أي تغيير للمشهد الحالي هو تغيير للمشهد المقبل، إذًا الحكومة لا تريد التغيير الآن.

وعن موقف الرئيس السوداني يجيب الجبوري: "السوداني ليس لديه الرغبة الحقيقية بإثارة حفيظة الفصائل المسلحة، لأن لديها أحزابا حاكمة وغطاء سياسيا ونفوذا، إضافة إلى البُعد الإقليمي المتمثل بارتباطها بإيران، خصوصا أنه ينوي الفوز بولاية ثانية في الانتخابات المقبلة. كما لا يمكن أن ننسى التأثير الإقليمي والدولي لهذه الحادثة، خصوصا بعد تعليق السفارة الأميركية في العراق عليها ودعوتها الحكومة العراقية إلى الحفاظ على سيادة القانون ومنع تكرار أعمال العنف.

الفساد الإداري

وعلى المستوى الرسمي، ما زالت أسباب إقالة مدير الزراعة السابق إياد كاظم مجهولة، إلا أن الرئيس السوداني أصدر بعد يوم واحد من الحادثة قرارًا بتشكيل لجنة للتحقيق في حالات استيلاء على أراضي المزارعين في منطقة الدورة وأطراف بغداد، وتتكوّن هذه اللجنة من رئيس ديوان الرقابة المالية وعضوية ممثلين عن هيئة النزاهة الاتحادية ومكتب رئيس مجلس الوزراء.

ويقول عضو مجلس محافظة بغداد صفاء الحجازي لـ"المشهد": "إننا مع السيد مقتدى الصدر، الذي طالب أكثر من مرة بحصر السلاح بيد الدولة، لا بد من إيقاف تمدّد الميليشيات على الأراضي العراقية ومؤسسات الدولة. كما أننا نعتبر حادثة الدورة جريمة، لأنها أدّت إلى ترويع المواطنين وإصابتهم وقتل عدد منهم، إضافة إلى انفلات مدير الزراعة السابق وجلبه قوات مسلحة لاقتحام مؤسسة حكومية. ونتساءل عن الأسباب التي دفعته للقيام بذلك؟ نحن نعلم أن هنالك ملفات فساد كبيرة داخل مديرية الزراعة ربما تصل إلى ملايين الدولارات، لذلك نطالب بإجراء تحقيق شامل ومحاسبة الفاسدين".