منذ فتح "حزب الله" لـ"جبهة الإسناد" جنوب لبنان في 8 أكتوبر، دعمًا لغزّة، وهذه المنطقة تتعرّض لاستهدافات إسرائيليّة يوميّة تقريبًا. هذه الاستهدافات لم توفّر لا البشر ولا الحجر، وتأثيرها سيمتدّ ويستمرّ لأكثر من 5 سنوات مقبلة.
أبرز القطاعات المتضرّرة من جرّاء ما يحصل جنوب لبنان، هو القطاع الزراعي. فالجنوب اللبنانيّ يُعتبر سلة الغذاء للبنان، إذ تصل قيمة المنتج الجنوبيّ من الحاصل العام الوطنيّ القوميّ إلى 20%. ولذلك فإنّ الضّرر على الأمن الغذائيّ اللبنانيّ سيكون بهذا الحجم أيضًا، وفق ما يؤكّد وزير الزراعة في حكومة تصريف الأعمال اللبنانيّة عباس الحاج حسن لمنصة "المشهد"، مضيفًا: "التأثير على الأمن الغذائيّ في لبنان واضح، وقد أدّى ذلك إلى ارتفاع في أسعار بعض الخضار والفاكهة منذ بداية الحرب لأسباب عدّة، أبرزها، أنّه ليس الموسم الحاليّ فقط هو الذي أُحرق وتأثّر، إنّما المواسم التي كان يجب أن تُزرع وتلك التي ستُزرع لاحقًا، هذا مع الأخذ بعين الاعتبار، الضرر الكبير الذي لحق بالأشجار المثمرة واللوزيات والزيتون والأشجار الأخرى".
لا إنتاج قبل 5 سنوات
حجم الأراضي التي تطالها الاستهدافات الإسرائيلية يصل إلى مساحة 210 كيلومترات، تتوزّع بين 55 قرية وبلدة ومدينة جنوبية من اللبونة وصولًا إلى تلال شبعا. وقال الحاج حسن:
- حجم الأراضي المستهدفة كبير جدًّا.
- هذه المنطقة فيها الكثير من المساحات الزراعية الشاسعة كسهول العديسة والخيام والوزاني، وغيرها من السهول المهدّدة نتيجة القصف الإسرائيلي المركّز والممنهج بأنواع القذائف كافة، وأبرزها الفوسفور الأبيض المحرّم دوليًّا.
ماذا عن نتيجة كلّ ذلك على المحصول والزراعة في الجنوب؟
يُجيب الوزير: "لن يكون هناك إنتاج قبل 5 سنوات، هذا في حال زرعنا اليوم مكان المساحات التي أُحرقت".
الفسفور الأبيض
هذا الواقع السيّء يزداد سوءًا من جرّاء استخدام الجانب الإسرائيليّ للفوسفور الأبيض المحرّم دوليًّا. فالفوسفور المستخدم يجعل الأراضي غير صالحة للاستعمال لسنوات عدّة.
وتقول"هيومن رايتس ووتش" إنّ:
- استخدام الفوسفور الأبيض من قبل إسرائيل على نطاق واسع في جنوب لبنان، يعرّض المدنيّين والزراعة لخطر جسيم.
- تأكدنا من استخدام القوات الإسرائيلية ذخائر الفوسفور الأبيض في 17 بلدة في جنوب لبنان منذ أكتوبر 2023.
الفوسفور الأبيض مادة كيميائية تُستخدم في ذخيرة الأسلحة، وتعرّضها للأكسجين يؤدي إلى اشتعالها. وآثارها الحارقة تؤدي إلى الوفاة أو الإصابات الخطيرة على مدى الحياة.
بموجب القانون الدولي، استخدام الفوسفور الأبيض المتفجر في المساحات المسكونة، هو عشوائيّ بشكل غير قانوني، ويخالف جميع الإجراءات الضرورية لتجنب إلحاق الأذى بالمدنيّين.
وفي هذا السياق، يلفت الحاج حسن إلى أنّ "القصف الهمجيّ الإسرائيلي، يُركّز على إحراق الأرض من خلال القصف بالفوسفور الأبيض، الذي له تبعات وارتدادات سلبية على التربة والمياه الجارية والجوفيّة، وعلى كلّ تفصيل من تفاصيل البنية التحتية الزراعية. ولكن حتى الآن لا يمكننا الحديث عن مدى عمق وتأثير هذا الضرر، لأنّنا نحتاج إلى سحب عيّنات من كلّ المناطق التي تعرّضت للقصف بالفوسفور الأبيض، كي نكون علميّين ويُبنى على الشيء مقتضاه".
ويُتابع: "أرسلنا مذكّرات احتجاجية عدة إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، في ما يخصّ الاعتداءات بالفوسفور، ورفعناها عبر الحكومة اللبنانية ووزارة الخارجية، ضدّ العدو الإسرائيلي، بشأن الاعتداءات على المزروعات والثروة النباتيّة والحرجيّة والحيوانيّة أيضًا".
المزارعون في جنوب لبنان يواصلون حصادهم
على صعيد خسائر المزارعين في الجنوب وسهل البقاع اللبناني، اعتبر رئيس "تجمّع المزارعين والفلّاحين" في لبنان إبراهيم ترشيشي، أنّ سوق الخضار والمحاصيل الزراعية، تأثرت بسبب الضربات الإسرائيلية والحرائق التي طالت الأراضي الزراعية، لكن ليس بشكل كبير. وأكد لمنصة "المشهد"، أنّ "المزارعين في الجنوب تمكنوا من تحصيل جزء كبير من موسم القمح قبل الحرائق، وفي منطقة البقاع المزارعون يحصدون محاصيلهم خوفًا من أن يكونوا الهدف المقبل لإسرائيل". وفي الوقت نفسه، اعتبر أنه من الصعب جدًا تحديد حجم الخسائر الزراعية بسبب القصف الإسرائيليّ واستخدام الفوسفور والحرائق، وأنه يجب الانتظار إلى أن تتوقف الحرب ومسح الأراضي المتضررة وتحديد الخسائر الفعلية، خصوصًا على صعيد الأراضي المحترقة والتي تحتاج إلى إعادة إصلاح.
لكن في الوقت نفسه، اعتبر أنّ "الحمضيات والموز والأفوكادو والزراعات الأخرى التي مصدرها الجنوب اللبناني، ما زالت تتدفق علينا ولم ننقطع منها، والمزارعون ما زالوا قادرين على الوصول إلى أراضيهم في الجنوب حتى اللحظة، والبضاعة موجودة بشكل كبير في الأسواق وبحاجة إلى تصريفها".
وعلى الرغم من كلّ القصف والتصعيد والأضرار والدمار، هناك مزارعون لا يزالون يريدون جني محاصيلهم، ولكن هذا لا يُشكّل جزءًا كبيرًا من الناتج الذي كان يُعوَّل عليه في الجنوب. فهل سيكون لبنان أمام أزمة أمن غذائيّ جديدة مقبلة؟