لم يعد المشهد على حاله في مياه بحر مدينة قابس التونسية، حيث تبدد لون المياه الفيروزي بفعل النفايات الكيميائية إلى بقع ملوّثة ومياه قاتمة تختلط فيها النفايات التي تنبعث في الجو فتشكل طبقات كثيفة من الدخان الذي يغطي السماء بسحابة ثقيلة من السموم والغازات.
تربة ملوثة
هذه السموم والغازات خلفت آثارا ثقيلة على البشر كما الطبيعة، إذ لم تعد المدينة الساحلية على شاطئ المتوسط "جنة" تفيض بالمساحات الخضراء والينابيع العذبة، إنما تحولت إلى رئة متهالكة تجعل من كل خطوة كأنها مضي نحو موت بطيء، وقد تسببت كذلك في اختفاء الأسماك، وانحسار الأشجار. كما أن الواحات التي كانت تُروى من ينابيع طبيعية عذبة تحترق الآن في تربة ملوثة ومسمومة. وعلى الشواطئ، لم يتبقَ سوى بضع سلاحف نافقة ونفايات وسفن مهجورة.
لطالما عُرفت قابس بأنها جوهرة بيئية نادرة، حيث تعانق الواحات الخضراء البحر المتوسط في مشهد فريد. الجوهرة التي كانت تسمى "جنة الدنيا" حوّلها التلوث إلى أرض سامة، يتنفس سكانها هواء مسموما، كأنهم داخل غرفة غاز مغلقة بلا نوافذ أو مفرّ.
ما بدا ذات يوم أنه مشروع صناعي واقتصادي طموح، تحوّل ببطء إلى كارثة إنسانية وبيئية متفاقمة. فالمجمع الذي يعوده تاريخه إلى مطلع سبعينات القرن الماضي ويحول الفوسفات الذي يعد أهم ثروات تونس الطبيعية باعتباره ركيزة للنمو الاقتصادي ومحركا رئيسيا لصادرات تونس، أصبح اليوم كابوسا حقيقيا يرعب السكان بشكل متزايد.
اللافت أن هذا الوضع بدأ يؤثر على المناخ السياسي، بالتزامن مع تكرر حالات اختناق بين عشرات التلاميذ في مدارس قريبة من المصنع، إذ خرجت احتجاجات عنيفة، خلال الشهر الحالي، ما استدعي قيام الشرطة بمواجهتها وإطلاق الغاز المسيل للدموع لتفريق المحتجين الذين اقتحموا المجمع وطالبوا بتفكيكه، وخرج عشرات الآلاف مجددا إلى الشوارع يوم الأربعاء الماضي في احتجاج حاشد.
يقول صفوان قبيبيع وهو ناشط بيئي محلي في حديثه لـ"رويترز"، خلال رحلة إلى هناك "المصنع سمّم كل شيء الشجر، والبحر، والناس". وأضاف "حتى رمان قابس التي اشتهرت بيه تغير وصار طعمه كالدخان".
وسعيا لإخماد موجة الاحتجاجات المتصاعدة منذ أسبوعين، قال الرئيس التونسي هذا الشهر إن سكان قابس يتعرضون "لاغتيال بيئي"، لكنه ألقى باللوم على حكومات سابقة، داعيا الوزارات إلى معالجة التسربات الكيميائية بأسرع وقت ممكن.
ولم يتسن الحصول على تعليق من المجمع الكيميائي.
مخالفات جسيمة
ففي غنوش وشط السلام، وهما منطقتان على أطراف المصنع، من النادر أن تجد عائلة لم تمسّها الأمراض أو فقدان أحد افرادها.
تصف رِمال الحاجي كيف بدأت ابنتها ناريمان (تسع سنوات) تعاني نهاية الشهر الماضي من صعوبات حادة في التنفس وبطء في الحركة، إلى جانب عشرات التلاميذ الذين تعرضوا لتسمم واختناق جراء انبعاثات غازية من المصنع.
وفي منزل قريب جدا من المصنع، تجلس الطفلة ناريمان بجوار والدتها على كرسي بلاستيكي، تعتمد عليها في كل حركة بعد أن أصيبت بمشكل عصبي نتيجة للاختناق، أثر على قدرتها على الحركة بسلاسة.
تضيف الأم وهي تغالب دموعها "لم تعد تستطيع المشي أكثر من خطوتين. إنها مثل الوردة التي تذبل".
ومنذ ذلك اليوم، توقفت ناريمان عن الذهاب إلى المدرسة، وفقا لوالدتها.
على بعد حوالي كيلومترين فقط من المصنع، تعيش أمينة منصور (53 عاما) في منزل متواضع مغطى بالغبار.
وتملأ الأدوية وعاء بلاستيكيا وتتناثر عبوات دواء أخرى على السرير، حيث تتناوب على جرعات منتظمة من المسكنات لعلاج هشاشة العظام وأيضا لسرطان الحنجرة الذي اكتشفته قبل 6 سنوات.
وتقول "أخبرني الأطباء أنني بحاجة لمغادرة هذه البلدة على الفور لأتمكن من النجاة".
ويتذكر ساسي علية، وهو واحد من هؤلاء الصيادين، كيف كان البحر مصدر رزقه وكرامته. الآن، لم يعد بالنسبة له سوى مصدر للبؤس.
وعند قارب صيد يعلوه الصدأ على شاطئ غنوش، يفكك ساسي شباكه المتأكلة، ويقول بامتعاض وألم شديدين: "البحر كان كل شيء ورثت الصيد عن أبي وجدي، كان مصدر رزقنا الأساسي. الآن، صار كابوسا. الأسماك اختفت انقرضت بعد أن أصبح بحر قابس مصبا للنفايات الكيميائية".
يقول الصياد لـ"رويترز" إن صيده اليومي كان يكسبه ما يصل إلى 700 دينار تونسي (حوالي 240 دولارا)، لكنه الآن بالكاد يجني 20 دينارا وفي أحسن الحالات 100 دينار. لكنه غالبا ما يعود خالي الوفاض.
أظهر تقرير تدقيق بيئي رسمي أنجز في يوليو تموز 2025، واطلعت عليه رويترز، "مخالفات جسيمة للمعايير الوطنية والمتطلبات الدولية".
التقرير الذي جاء في 160 صفحة كشف أن المجمع الكميائي يلقي يوميا بين 14000 و15000 طن من مياه "الفوسفوجيبسوم غير المعالجة في البحر، إلى جانب انبعاثات عالية من الأمونيا وأكاسيد النيتروجين والكبريتات".
وأضاف أن هذه التصريفات "ألحقت ضررا بالغا بمروج الأعشاب البحرية وأدت إلى تصحر مناطق بحرية واسعة في خليج قابس".
يذكر موقع وكالة حماية البيئة الأمريكية أن الفوسفوجيبسوم يحتوي على الراديوم، الذي يتحلل لينتج غاز الرادون، مشيرا إلى أن الراديوم والرادون عنصران مشعّان وقد يتسببان في الإصابة بالسرطان. وفي الولايات المتحدة، تُلزم الوكالة بإدارة الفوسفوجيبسوم ضمن هياكل هندسية مصممة خصيصا للحد من تعرض العامة لانبعاثات الرادون.
في 2017 تعهدت الحكومة بإغلاق المصنع واستبداله بآخر مطابق للمعايير الدولية ولكنه أمر لم يتحقق مطلقا. والآن تقول السلطات إنها تخطط لإعادة تأهيل المنشآت الحالية بدلا من إغلاقها.