تبعث العملية العسكرية الأميركية التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، مؤخرًا، بـ"دلالات تهديدية" مباشرة لـ"حزب الله"، وفق مراقبين تحدثوا لـ"المشهد"، موضحين أن تصعيد الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتضمّن جملة رسائل تتصل في جانب منها باعتماد الحزب على "شبكة علاقات تنظيمية" مع كاراكاس، خصوصًا في الجوانب الاقتصادية والتمويلية.
تجفيف موارد الحزب
ومن ثم، يهدد هذا التطور بتجفيف أو بالأحرى تصفية موارد حيوية للحزب، وتقويض خطوط التجارة غير المشروعة العابرة للحدود، بما يضعف تموضعه السياسي والأمني، بحسب المصادر ذاتها.
ساهم نظام الرئيس مادورو في توفير ملاذات آمنة لقوى إقليمية ودولية كما لتنظيمات مصنّفة على قوائم الإرهاب، للتهرب من العقوبات المفروضة عليهم، وضمان ما يمكن وصفه بـ"اقتصاديات الظل" خارج الأطر الرسمية والقانونية. وبالتالي، استمرار الحصول على الموارد التي تدعم أنشطتهم وممارساتهم السياسية والعسكرية. لهذا، شدّد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو على ضرورة أن تقطع فنزويلا علاقاتها مع إيران و"حزب الله"، وأن تضع حدًا لتهريب المخدرات، وألّا تستخدم النفط لصالح خصوم الولايات المتحدة.
تصريحات روبيو جاءت في غضون يوم واحد من تنفيذ عملية القبض على نيكولاس مادورو، بينما أكد لشبكة "سي بي إس" أن كاراكاس "تقاربت بشكل وثيق" مع إيران و"حزب الله" وعصابات تهريب المخدرات.
وأضاف أن واشنطن لن تقبل باستمرار "تهريب المخدرات أو الوجود الإيراني ووجود "حزب الله" في فنزويلا"، وبما يهدد الأمن القومي للولايات المتحدة.
ضرب مصالح إيران
وفي حديثه لمنصة "المشهد" يقول مايكل شوركين، الباحث في معهد "روسي" البريطاني والذي عمل سابقًا في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه)، إنه برغم عدم اتضاح العوامل كافة التي دفعت الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى اتخاذ قرار إزاحة نيكولاس مادورو، فإن أحد أبرز هذه الدوافع يتمثل، في السعي إلى ضرب المصالح الإيرانية في أميركا اللاتينية.
وبحسب شوركين، فقد تحولت فنزويلا في عهد مادورو إلى مركز لنشاط إيراني غير مشروع ونفوذ متزايد في المنطقة. ومن المؤكد أن إبعاده سيؤدي إلى تقليص هذا النفوذ، خصوصًا إذا مارست الولايات المتحدة ضغوطًا على من سيخلفه لدفعهم إلى الابتعاد عن طهران.
ويمكن النظر إلى هذه الخطوة من قبل الولايات المتحدة بوصفها "رسالة واضحة" تعكس "نفاد صبر" واشنطن تجاه الحكومات اللاتينية التي تغضّ الطرف عن التغلغل الإيراني أو تتساهل معه.
مركز عمليات "حزب الله"
ومن جهته، يشير المحلل المختص في الشأن الأميركي سعيد البستاني، إلى أن فنزويلا تحت حكم مادورو، بحسب مصادر رسمية أميركية، كانت "ملاذًا آمنًا" بل و"مركزًا" لعمليات "حزب الله" في أميركا اللاتينية، حيث كان يجري تهريب الكوكايين إلى أوروبا والشرق الأوسط، وغسل الأموال عبر شركات نفطية وتعدينية، وقد فرضت وزارة الخزانة الأميركية سابقًا عقوبات على أشخاص فنزويليين من أصول لبنانية بتهمة تسهيل أعمال "حزب الله".
ويقول البستاني لـ"المشهد": "نظام مادورو قدم جوازات سفر مزورة وتسهيلات لعناصر الحزب، مما ساعد في توسيع شبكاته خصوصا في المثلث الحدودي، بين باراغواي والأرجنتين والبرازيل، ودول أخرى، بحسب جلسات استماع جرت في الكونغرس".
مع إزاحة مادورو وفرض الولايات المتحدة سيطرة مؤقتة، عبر حظر نفطي عسكري وأدوات ضغط أخرى على الحكومة الفنزويلية، فمن المرجح أن يتم "تفكيك الشبكات المالية" للحزب، بحسب المحلل السياسي المختص بالشأن الأميركي. وقد أكد وزير الخارجية ماركو روبيو على نحو مباشر أن "حزب الله" وإيران لن يعودا قادرين على العمل بحرية في فنزويلا، مشيرًا إلى إنهاء الدعاية المعادية لأميركا والتخطيط لعمليات.
ويردف: "قد يخسر "حزب الله" عائدات مهمة لتمويل عملياته في لبنان والشرق الأوسط كما تشير الاتهامات الأميركية؛ إذ إن فقدان القاعدة الفنزويلية سيضعف اقتصاده خصوصًا مع تصنيف الولايات المتحدة تنظيم "كارتل الشمس" الذي يتعاون الحزب معه منظمة إرهابية أجنبية. فغياب مادورو واستعداد رئيسة الوزراء الجديدة ديلسي رودريغز للتعاون مع الولايات المتحدة، سيقللان من قدرة الحزب على التوسع في دول مجاورة، حيث كانت فنزويلا بوابته اللوجستية في أميركا اللاتينية".
اللافت أن تصريحات روبيو والرئيس الأميركي ترامب ركزت على منع فنزويلا من أن تكون مركزًا لإيران وروسيا و"حزب الله" والمخابرات الكوبية، مما يشير إلى إستراتيجية أوسع لتفكيك الشبكات المالية التي تمول "حزب الله".
أبعاد إقليمية ودولية أوسع
يتفق والرأي ذاته مدير المركز العربي للبحوث والدراسات الدكتور هاني سليمان، والذي يرى أنه يمكن قراءة العملية التي قادت إلى اعتقال الرئيس الفنزويلي وتداعيات ذلك على شبكة علاقات "حزب الله" من خلال عدة زوايا متداخلة، تتجاوز البعد الفنزويلي الداخلي إلى أبعاد إقليمية ودولية أوسع.
ويقول سليمان لـ"المشهد": "تحمل العملية رمزية عالية في سيكولوجية الردع والتهديد، لا تستهدف الدول وأنظمتها السياسية فحسب، بل تمتد إلى الفاعلين من غير الدول المرتبطين بها، وفي مقدمتهم حزب الله، بما يعكس رسالة أميركية مفادها أن الحماية السياسية لم تعد ضمانة كافية".
كما تكشف التطورات عن "هشاشة شبكة العلاقات الاقتصادية والتمويلية" التي ربطت "حزب الله" بنظام مادورو، إذ يواجه الحزب خطر فقدان قنوات حيوية لتأمين الموارد في وقت يتعرض فيه لضربات نوعية على مستوى القيادات والقدرات، إلى جانب ضغوط متزايدة لتجفيف مصادر التمويل والإمداد، ما يضاعف من أزماته المختلفة السياسية والأمنية العسكرية كما الاقتصادية، وفق مدير المركز العربي للبحوث والدراسات.
ويردف: "يكتسب المشهد حساسية إضافية في ظل تهديدات إدارة ترامب بتوسيع دائرة الاستهداف لتشمل كولومبيا، وهو ما ينعكس مباشرة على شبكات التجارة غير المشروعة العابرة للحدود، خصوصًا في المثلث الفنزويلي–الكولومبي، الذي شكّل أحد مسارات العائدات المهمة لـ"حزب الله" خلال السنوات الماضية".
بالتالي، تتجاوز تداعيات العملية حدود نفوذ "حزب الله" في فنزويلا، لتندرج ضمن مقاربة أميركية أوسع لملاحقة الأنظمة والحركات المصنفة خصومًا لواشنطن، بما في ذلك إيران وحلفاؤها، في إطار إستراتيجية تستهدف تقليص قدراتهم وأوزانهم النسبية في النظام الدولي، وهو ما يفرض قيودًا إضافية على تموضع الحزب السياسي والأمني.
وبحسب المصدر ذاته، تأتي هذه التطورات في ظل حالة اضطراب و"عدم يقين دولي" تطال شبكة تحالفات "حزب الله"، ما يحدّ من "هامش المناورة"، ويفاقم من الأزمات المركبة داخل هذه الشبكة وأطرافها، بما في ذلك عملية اتخاذ القرارات بشأن الدعم السياسي أو الاقتصادي أو العسكري الأمر الذي يزيد من حجم الضغوط المفروضة على الحزب، ويضيّق خياراته في المرحلة المقبلة.