رغم ترجيح موقع "أكسيوس" الأميركي الإعلان عن بدء المرحلة الثانية في غزة قبل نهاية العام، بالتزامن مع لقاء محتمل بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتانياهو خلال الشهر الجاري، وكذلك الكشف عن هياكل الحكم الجديدة بالقطاع، إلا أن مراقبين تحدثوا لـ"المشهد" عن عوامل تُعيق الانتقال للمرحلة الجديدة، منها "غياب اللجنة التوافقية والدور الفلسطيني الفاعل"، فضلا عن تباطؤ ترتيبات الأمن وقوات الاستقرار الدولية.
خطة السلام في غزة
وبحسب "أكسيوس"، فإن الاجتماع المتوقع بين ترامب ونتانياهو قبل نهاية ديسمبر، سيتضمن مناقشة ترتيبات المرحلة الثانية من خطة السلام الأميركية التي تم تدشينها في مدينة شرم الشيخ المصرية. كما تواصل واشنطن جهودها لتفادي اندلاع الحرب، مرة أخرى، والحفاظ على اتفاق وقف إطلاق النار، حيث نقل ترامب لرئيس الحكومة الإسرائيلية الاثنين الماضي رغبته في أن يكون الأخير "شريكا إيجابيا" في ملف غزة.
ووفق بنود خطة السلام الأميركية، فإن المرحلة الثانية، تتضمن بدء عملية انسحاب إسرائيلي إضافية من أجزاء بالقطاع، ونشر قوة دولية للاستقرار، ومن ثم، تدشين هياكل الحكم الجديدة التي ستتولى إدارة غزة، عبر "مجلس السلام" برئاسة دونالد ترامب. وقد كشف الموقع الأميركي أن الهيكل الجديد للحكم والقوة الدولية في مراحلهما الأخيرة، وربما يتم الإعلان عنهما في غضون أسبوعين أو 3.
فيما نقل الموقع الأميركي عن مسؤولين أميركيين، أن "مجلس السلام" الذي سيقوده الرئيس الأميركي، سيتشكل من 10 قادة دول عربية وغربية، هم بمثابة النواة الرئيسة للهيكل الإداري للحكم الجديد في غزة، وذلك إلى جانب مجلس تنفيذي دولي في قمته رئيس الحكومة البريطانية السابق توني بلير ومستشاري الرئيس الأميركي جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، فضلًا عن ممثلين آخرين من الدول المنخرطة بالمجلس.
يضاف لذلك، تمثيل فلسطيني يضم بين 12 إلى 15 فلسطينيا، لديهم خبرات إدارة وتجارية وغير مسيّسين، للعمل تحت إشراف المجلس التنفيذي وتتشكل منهم "حكومة تكنوقراط"، بحسب "أكسيوس"، مع التأكيد على عدم انتماء أي منهم لأي فصيل فلسطيني سواء كان "حماس" أو فتح.
ملامح المرحلة الثانية
في حديثه لـ"المشهد"، يوضح أستاذ العلوم السياسية بجامعة القدس والقيادي بحركة فتح الدكتور أيمن الرقب، أنه ما زالت المقومات المطلوبة لانطلاق المرحلة الانتقالية الثانية في قطاع غزة غير متوفرة حتى الآن، إذ لم تُشكَّل بعد اللجنة التوافقية المفترض أن تتولى إدارة القطاع، كما يبرز غياب واضح لدور السلطة الفلسطينية، بما يعكس افتقار العملية إلى "الجدية اللازمة" لتأسيس جسم فلسطيني قادر على إدارة المرحلة المقبلة.
وعلى المستوى الأمني، يقول الرقب: "تتم الإشارة إلى شرطة انتقالية يمكن من خلالها تسلّم الأمن من حركة "حماس". ورغم الحديث عن بعض الخطوات المحدودة، إلا أن هذه المرحلة بحاجة إلى قوة لا تقل عن 10 آلاف عنصر لضمان الاستقرار وإدارة الأمن ميدانيّا. كما لم تُستكمل ترتيبات وصول قوات الاستقرار الدولية إلى غزة، رغم أن التقديرات تشير إلى أن انتشارها سيكون خلال شهر يناير المقبل".
لذلك، تكتسب زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو المتوقعة نهاية الشهر الجاري "أهمية خاصة"، إذ يُرجَّح أن تهدف إلى تنسيق المواقف قبل بدء المرحلة الجديدة، خصوصًا في ظل وجود تباينات بين إسرائيل والولايات المتحدة بشأن آلية إدارة غزة مستقبلا، وفق ما يشير الرقب.
ويتابع: "تشير بعض المصادر إلى أن إسرائيل تميل إلى فرض نموذج يقوم على فصل ديمغرافي بين ما يُسمى غزة الشرقية وغزة الغربية، بحيث تعيش الأولى في أوضاع أكثر استقرارا وتنظيما، في مقابل إبقاء الثانية في حالة بؤس وتهميش. ورغم أن الفكرة لا تزال غير واضحة المعالم، إلا أنها تعكس أحد مسارات التفكير داخل الحكومة الإسرائيلية، ويحظى بعضها بتفهم من دوائر في الإدارة الأميركية".
في موازاة ذلك، تبرز مقاربة أخرى تقوم على انسحاب إسرائيلي تدريجي من مناطق القطاع، وتسليمها إما للجنة فلسطينية أو لقوات الاستقرار الدولية، وهو طرح سبق أن ورد في خطة ترامب. لذلك، يُتوقع أن يحمل ما تبقى من الشهر الجاري وبداية العام المقبل "ملامح التحول الحقيقي" في شكل المرحلة الانتقالية، وما إذا كانت ستتجه نحو "استقرار تدريجي" أو "مزيد من التعقيد"، وفق أستاذ العلوم السياسية بجامعة القدس والقيادي بحركة فتح.
الوثيقة الإستراتيجية الأميركية
من جهته، يرى المراقب الدولي العسكري السابق لدى الأمم المتحدة، الدكتور كمال الزغول، أنه من غير المستبعد أن يجتمع نتانياهو مع ترامب خلال الشهر الجاري، أو أن يجري بينهما تواصل مباشر، خصوصا بعد صدور الوثيقة الإستراتيجية الأميركية التي تشدد على تقليص "الحروب الأبدية" في الشرق الأوسط والعالم، لافتًا في حديثه لـ"المشهد" إلى أنه "مهما حاول نتانياهو الالتفاف على المرحلة الثانية من اتفاق غزة، فإنه سيكون مضطرًا في نهاية المطاف إلى وضع جدول زمني سياسي واضح لتنفيذها".
غير أن نجاح هذه المرحلة يبقى رهناً بـ3 عوامل أساسية، وفق الزغول.
- أولا: قبول المعارضة الإسرائيلية بهذه الصيغة.
- ثانيا: موافقة "حماس" والفصائل الفلسطينية على بنية المرحلة الانتقالية.
- ثالثا: مدى استعداد أطراف قوة الاستقرار العربية والإسلامية والدولية للتعاطي مع الجدول الزمني الذي ستطرحه واشنطن لتلك المرحلة.
ويُرجَّح أن يستغرق تطبيق المرحلة الثانية "وقتا أطول مما هو مُعلن"، بحسب المراقب الدولي العسكري السابق لدى الأمم المتحدة، وذلك بفعل "محاولة تعويم القضية وتأجيل الحسم السياسي، على النحو الذي يمنح نتانياهو مساحة للمناورة إلى حين التوجه نحو انتخابات مبكرة، بالإضافة إلى تهيئة الشارع الإسرائيلي لتقبّل دور فلسطيني في إدارة غزة مستقبلا".
وبالنظر إلى المؤشرات الأخيرة الصادرة عن واشنطن، يبدو أن الإدارة الأميركية تتجه نحو فرض "مسار ثابت" في مقاربتها للمنطقة. فقد أصدر البيت الأبيض قرارًا لافتًا مؤخرا بتغيير اسم معهد السلام الأميركي ليصبح معهد دونالد ترامب للسلام، وهو ما يعكس "خطأ إستراتيجيا أميركيا مستقرا وغير متراجع تجاه الشرق الأوسط، يتجاوز التبدلات السياسية الداخلية".