منذ وصوله إلى الإليزيه أنهى سيّد القصر ولايته الأولى من دون نتائج ملموسة داخلياً. وها هو اليوم في منتصف ولايته الثانية، فيما الانتخابات الرئاسية المقبلة لم تعد بعيدة. في الداخل، ما زال الإخفاق يلاحقه رغم محاولاته المتكرّرة للإصلاح، بينما يسعى جاهداً لتحسين صورته خارجياً عبر تحرّكات دبلوماسية كثيفة، مسيرته حتى الآن تبدو معلّقة بين نجاحات خجولة وإخفاقات متراكمة.
إيمانويل ماكرون.. رئيس يبحث عن مجده خارج حدود فرنسا. ففي الداخل يبدو أكثر عزلة وضعفاً من أي وقت مضى بعد أزمة حلّ البرلمان وما خلّفته من فوضى سياسية. لكن على الساحة الدولية، لا يتوقف عن الحركة، كأن رهانه الأخير هو أن يُخلّد اسمه في ملفات تتجاوز حدود بلاده. والسؤال الذي يطرح نفسه "هل نجح فعلاً في الساحة الدولية وأخفق داخلياً"؟.
"الوسطية" نموذج محفوف بالعقبات
للإضاءة على الموضوع، أوضح المحلّل السياسي الفرنسي المتخصّص في العلاقات الدولية بيار لوي ريمون، في حديثه إلى منصّة "المشهد" أنّ ماكرون وصل إلى الحكم "حاملاً برنامجاً سياسياً متكاملاً يقوم على تكريس الوسطية، على غرار ما نجحت فيه ألمانيا عبر حكومات الوفاق والتحالفات". وأضاف أنّ هذه الخطة "سعت إلى تأسيس أغلبيات مشاريع تضمّ أيضاً الأحزاب التقليدية، بما يعكس فلسفة الوسط".
لكن ريمون لفت إلى أنّ "الرأي العام الفرنسي لم يكن مهيّأً لتقبّل ما يشبه تغييراً في البرمجية السياسية"، معتبراً أنّ هذا ما جعل المسار "محفوفاً بالعقبات منذ بدايته".
فشل آنيّ.. ورهانات بعيدة المدى
رأى ريمون أنّ الحكم على ماكرون "يجب أن يتم على مستويين: قريب وبعيد. فعلى المدى القريب، ولّد مشروعه كثيراً من التساؤلات، واعتقد البعض أنّه أراد استنساخ النموذج الليبرالي الأميركي في السياسة الفرنسية، ما أفرز انطباعاً بالفشل وعرقل معالجة الملفات الاجتماعية والاقتصادية".
غير أنّه شدّد على أنّ "النظرة التاريخية قد تعيد تقييم التجربة"، مذكّراً بأنّ "العالم دخل في عولمة ليبرالية لا مفر منها، تفرض تغييرات جذرية على كل الدول المتقدمة".
ارتباك خارجي.. ثم تصحيح
اعتبر ريمون أنّ ماكرون "واجه مطبّات في بداياته"، أبرزها "التعثر في مقاربة ملف داعش بالموازاة مع ملف حماس، قبل أن يتراجع سريعاً عن تصريحات لم ترق إلى مستوى الموقف". ورأى أنّ "لقاءه مع قادة دوليين شكّل نقطة تحوّل أعادت التوازن لخطابه".
كما أشار إلى أنّ "الملف الجزائري ظلّ معقّداً بفعل جراح التاريخ واختلالات التعاون الدبلوماسي"، بينما "برز وضوح أكبر في ملف الصحراء حين اعترفت فرنسا بمغربية الصحراء بعد فترة تردّد".
فلسطين بين الاعتراف والمبادئ الدبلوماسية
توقّف ريمون عند احتمال اعتراف فرنسا بدولة فلسطينية، معتبراً أنّ ماكرون "يعيد بذلك مياه السياسة الفرنسية العربية إلى مجاريها كما حدّدها الجنرال شارل ديغول عام 1967". وأكّد أنّ "الاعتراف لا يعني التأسيس، بل هو خطوة مبدئية لا تعيق السياسة المستقبلية"، مبرزاً أنّ "باريس لم تفرض عقوبات على إسرائيل بل اكتفت برفض سياسات حكومتها".
إخفاقات داخلية متكررة
من جانبه، أكّد المحلّل السياسي المتخصّص بالشؤون الدوليّة أنطوان الحاج، في حديثه إلى منصّة "المشهد"، أنّ ماكرون "فشل داخلياً خلال ولايته الأولى وحتى الآن في ولايته الثانية في تحقيق الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية"، موضحاً أنّ "كل محاولة إصلاح اصطدمت باحتجاجات كبيرة وعنيفة".
وأشار الحاج إلى أنّ "النمو الاقتصادي كان ضعيفاً، والبطالة، خصوصاً بين الشباب، ظلّت مشكلة أساسية"، كما أنّ "ارتفاع الدين العام والضغط على المالية العمومية جعلا محاولات خفض النفقات شبه مستحيلة، ما أدى إلى سقوط حكومات متعاقبة في الخمسية الثانية".
صورة أقوى في الخارج
ورأى الحاج أنّ ماكرون "نجح خارجياً في تعزيز الدور الأوروبي لفرنسا وتكريس مفهوم السيادة الأوروبية"، مشيراً إلى أنّه "اتفق مع ألمانيا على تعزيز الاستجابة للأزمات الاقتصادية خلال جائحة كوفيد"، كما "سعى إلى توسيع التعاون الدفاعي الأوروبي والتأكيد أنّ أوروبا ليست تابعة للولايات المتحدة".
ولفت إلى أنّه "حاول ترميم علاقات فرنسا في إفريقيا رغم الخسائر الكبيرة، ومنها مالي"، كما "قام بمبادرات دبلوماسية متكررة في لبنان، خاصة بعد انفجار مرفأ بيروت، ما ساهم في تحسين صورته الخارجية".
بين الداخل والخارج، يبقى إيمانويل ماكرون رئيساً متأرجحاً بين طموحات كبيرة ونتائج محدودة. في الداخل، يواجه معارضة شرسة وأزمات اجتماعية واقتصادية لم تُحل، ما جعله في نظر كثير من الفرنسيين رئيساً بعيداً عن همومهم اليومية. أمّا في الخارج، فقد نجح في تقديم نفسه لاعباً دبلوماسياً نشطاً، يحاول إحياء الدور الأوروبي لفرنسا واستعادة حضورها في الساحة الدولية.
في النّهاية، يجدر السّؤال: هل تكفي هذه النجاحات الخارجية لتلميع صورة رئيس تتآكل شعبيته في الداخل؟ أم أنّ التاريخ سيحكم عليه بميزان الفرنسيين أنفسهم، الذين ينتظرون تحسين مستوى معيشتهم قبل أي مجد خارج الحدود؟