في مقابلة مع شبكة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" ضمن برنامج وثائقي بعنوان "ملك الأردن وأطفال غزة"، شدّد العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني على أنّ المملكة لن تشارك بقوات عسكرية في غزة.
وعن سؤال فيما إذا طلب منه كجزء من عملية صناعة السلام إرسال مرتبات من الأمن والجيش لتدريب قوى أمن محلية أو لتوفير الأمن في غزة، قال ملك الأردن: "الجواب القصير هو لا، لأننا نعتقد أننا قريبون جدًا من هذه القضية سياسيًا. ومع ذلك، وبالعودة إلى التفاصيل، ما هي مهمة قوات الأمن داخل غزة؟ ونأمل أن تكون حفظ السلام، لأنه إذا كانت فرض السلام، فلن يرغب أيّ أحد في التعامل مع ذلك".
ويعكس هذا التأكيد الملكي حرص الأردن على التمييز بين أدوار حفظ السلام ذات الطابع الأممي والإنساني، وبيّن أيّ ترتيبات عسكرية قد تفهم على أنها فرض للسلام بالقوة، وهو ما يرفضه الأردن بشكل قاطع.
"حفظ السلام" فقط
وأكد خبراء ومحللون سياسيون وعسكرون أن الموقف الأردني يتمحور من فكرة نشر قوات دولية في غزة والضفة الغربية حول رفض أيّ صيغة ترتبط بـ"فرض السلام" بالقوة، مقابل الانفتاح على أدوار تتعلق بـ"حفظ السلام" وفق تفويض أمميّ واضح.
ويخشى الأردن من استغلال إسرائيل لوجود هذه القوات لتحقيق أهدافها أو توظيفها لصالحها، في حين تفضل عمان الاضطلاع بدور غير مباشر يركز على تدريب الأجهزة الأمنية الفلسطينية، والمساهمة في إعادة بناء المؤسسات والبنية التحتية، إلى جانب تقديم الدعم الإنساني والصحي.
رفض لـ"فرض السلام"
ومن هنا، قال رئيس الجمعية الأردنية للعلوم السياسية الدكتور خالد شنيكات إن رفض الأردن لفكرة نشر قوات دولية في غزة والضفة الغربية له عدة أسباب جوهرية، تتعلق بطبيعة هذه القوات وأهدافها والتفويض الذي قد يمنح لها من مجلس الأمن الدولي.
وأوضح شنيكات في رده على سؤال حول أسباب رفض الأردن لمثل هذه القوات، قائلًا لمنصة "المشهد": "أولا، علينا أن نعرف هل ستكون هذه القوات قوات حفظ سلام أم قوات فرض سلام؟ فإذا كانت قوات فرض سلام فمن الطبيعي أن يرفض الأردن المشاركة أو القبول بها".
وأضاف أن الوضع حتى الآن غير واضح، حيث لم يصدر عن مجلس الأمن أيّ قرار يحدد طبيعة التفويض الممنوح لهذه القوة.
وتابع: "ما لم يتضح هذا التفويض، لن نعرف ما إذا كانت قوات حفظ سلام، أيّ أنها غير مشاركة في الحرب، بل تفصل بين القوات أم أنها قوات فرض سلام، أي أنها تتدخل عسكريًا لفرض رؤيتها بالقوة وتحقيق أهداف سياسية معينة".
دور غير مباشر
وبيّن شنيكات أن القضية الأخرى المثيرة للقلق تتعلق بدور تلك القوات المحتمل في نزع سلاح فصائل المقاومة الفلسطينية، وقال: "إذا كانت مهمة هذه القوات هي نزع سلاح فصائل المقاومة الفلسطينية، فذلك يعني أنها ستدخل في صراع مباشر معها، ما يجعلها عمليًا في مواجهة مع الشعب الفلسطيني، وهو أمر يتعارض تمامًا مع موقف الأردن الثابت الذي يؤيد حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة".
وأشار إلى أن الأردن يدرك أيضا احتمال استغلال إسرائيل لوجود تلك القوات، موضحًا: "من الوارد جدا أن تستخدم إسرائيل هذا الوجود لتحقيق أهدافها أو حتى لضرب هذه القوات، خصوصا أن الساحة مفتوحة والوضع في حالة حرب غير مستقرة وغير معروفة المآلات".
وأكد أن هذا الموقف لا يقتصر على الأردن وحده، بل تشاركه فيه دول عربية أخرى ترى أن نشر قوات دولية في الظرف الراهن قد يفاقم الأزمة بدلًا من حلها.
وفيما يتعلق بالدور الذي يمكن أن يلعبه الأردن مستقبلًا، قال شنيكات إن الأردن يفضل الاضطلاع بدور داعم وغير مباشر، موضحًا: "ربما ما أشار إليه الملك يعكس هذا التوجه، وهو أن يتم تدريب قوات شرطة وأمن فلسطينية لتتولى إدارة الوضع الأمني بنفسها، بعيدًا عن وجود قوات أجنبية".
وأضاف أن الأردن يستطيع أيضا أن يضطلع بدور إنساني وسياسي وتنموي وقال: "يمكن للأردن أن يساهم في إعادة بناء المؤسسات الفلسطينية التي تم تدميرها، وإعادة تأهيل البنية التحتية، والمساعدة في بناء قدرات الفلسطينيين استعدادًا لمرحلة إقامة الدولة الفلسطينية".
وشدد شنيكات على أنّ هذا النهج هو الأفضل للأردن في المرحلة الحالية، حيث يمنحه القدرة على المساهمة في دعم الفلسطينيين دون الانخراط المباشر في مواجهات عسكرية أو سياسية معقدة.
وأضاف: "إسرائيل نفسها غير واضحة في نواياها، فلا نعرف إن كانت تريد إنهاء الحرب فعلًا أم أنها تستعد لجولة جديدة من القتال، ولذلك فإن الإدارة من الخلف هي الخيار الأكثر حكمة في هذه المرحلة".
تساؤلات عالقة
بدوره، أكد المحلل السياسي الدكتور عامر السبايلة أن الموقف الأردني واضح في رفضه الانخراط في أيّ دور يرتبط بفرض السلام بالقوة، مشدداً على أن عمان لا ترغب في أن تتحول إلى أداة لتنفيذ مثل هذه السياسات.
وأوضح أن الأردن، في المقابل، لا يمانع في أن يكون جزءًا من جهود حفظ السلام وهو ما يميز بين مفهوم "فرض السلام" الذي ينطوي على مواجهات عسكرية، وبين "حفظ السلام" الذي يقوم على دعم الاستقرار ومنع التصعيد.
وأشار السبايلة إلى أن هناك تساؤلات ما زالت عالقة بشأن طبيعة أيّ قوات محتملة في غزة أو المنطقة مثل مرجعيتها القانونية، والغطاء الدولي الذي ستعمل في إطاره، والجهة التي ستقودها، وتركيبتها البشرية، وآليات عملها على الأرض.
وقال إن هذه القضايا لم تتضح بعد، ما يجعل الموقف الأردني أكثر ميلاً إلى الحذر والتريث.
وأضاف أن ما يمكن اعتباره ثابتًا في السياسة الأردنية هو الاستعداد للمشاركة في أيّ جهد دولي أو عربي متوافق عليه، شريطة أن يكون هذا الدور ذا طبيعة تدريبية أو داعمة لا أن يضع الأردن في مواجهة مباشرة على الأرض.
وأكد السبايلة أن المملكة لا تريد أن تكون جزءًا من عمليات عسكرية قد تفهم على أنها محاولة لفرض واقع سياسي بالقوة، بل تسعى إلى أن يكون دورها داعمًا للاستقرار وبناء القدرات المحلية.
ولفت إلى أن الأردن يحرص على التمييز بين حفظ السلام وفرضه، وهو ما يعكس حرصه على حماية مصالحه الوطنية والإقليمية، وفي الوقت ذاته الإسهام في أيّ جهد جماعي يهدف إلى تحقيق الأمن والاستقرار بعيدًا عن الانخراط في مواجهات عسكرية مباشرة.
تمييز لدور الأردن
من جانبه، يرى الخبير العسكري والإستراتيجي نضال أبوزيد أن حديث العاهل الأردني هو رسم لملامح المرحلة المقبلة في ما يتعلق بالملف الفلسطيني، موضحًا أن الملك كان واضحًا في تمييزه بين مفهومي حفظ السلام وفرض السلام.
وأوضح أبوزيد في حديثه لـ"المشهد" أن هذا التمييز جوهري حتى في القانون الدولي، حيث إن حفظ السلام يندرج تحت البند الـ6 من ميثاق الأمم المتحدة، بينما يرتبط فرض السلام بالبند الـ7 الذي يجيز استخدام القوة العسكرية.
وأضاف أن الملك شدّد على أن أيّ وجود لآليات عسكرية أو دوريات تجوب أجواء وأراضي قطاع غزة تحت مسمى "فرض السلام" لن يكون مقبولاً، لأنه يعني عمليًا الانحياز إلى جانب إسرائيل في مواجهة الفلسطينيين، "وهو ما يرفضه الفلسطينيون والأردنيون على حد سواء".
وبين أبوزيد أن الملك أبدى انفتاحًا على فكرة قوة عربية - أممية ذات تفويض من مجلس الأمن تكون مهمتها حفظ الاستقرار وفصل النزاع إلى جانب مساعدة الشرطة الفلسطينية في التدريب وتولي المهام الأمنية داخل القطاع.
وقال: "لكنه (الملك) رفض بشكل قاطع أيّ صيغة لقوات تفرض بالقوة، معتبرًا أنّ مثل هذه الترتيبات ستصبُّ في مصلحة إسرائيل، خصوصًا في ظل محاولاتها استقطاب دول بعينها مقبولة لديها، مقابل رفضها مشاركة دول أخرى مثل تركيا".
أولوية للدور الإنساني
وأضاف أبوزيد أن الموقف الأردني لا يقتصر على رفض فرض السلام بل يتجاوز ذلك إلى رفض أيّ دور أمني مباشر في غزة أو الضفة الغربية، مؤكدًا أن الأردن يفضل دومًا الدخول إلى الأزمات من البوابة الإنسانية.
وأشار إلى أن المملكة تمتلك خبرة طويلة في هذا المجال، حيث كانت من أوائل الدول التي سيرت قوافل المساعدات البرية والجوية إلى غزة فضلًا عن دورها البارز في القطاع الصحي.
وأكد أبوزيد أن الأردن قد يقبل بدور إنساني أو طبي في غزة، لكنه لن ينخرط في أيّ ترتيبات أمنية أو عسكرية انسجاماً مع ثوابته السياسية والإنسانية التي تضع مصلحة الشعب الفلسطيني واستقرار المنطقة فوق أيّ اعتبارات أخرى.