تعيش سوريا على وقع صدمة بيئية غير مسبوقة بعد انتشار مقاطع فيديو تظهر جفاف نهر العاصي بالكامل، في مشهد لم يسبق أن شهدته البلاد منذ بدء تدوين سجلات الجريان قبل عقود طويلة.
الفيديوهات التي تداولها السوريون بكثافة على مواقع التواصل، أظهرت مجرى النهر مكشوفا تماما من دون قطرة ماء واحدة، في دلالة صارخة على حجم الكارثة التي تمر بها المنطقة.
جفاف نهر العاصي
يتزامن جفاف نهر العاصي مع هبوط منسوب المياه في سد الرستن إلى الحدّ الأدنى، ما أثار مخاوف كبيرة من تأثيرات إنسانية واسعة، خصوصًا مع اعتماد مئات آلاف السكان على هذا السد لتأمين مياه الشرب والري.
مزارعون من ريف حماة أكدوا أنّ الأزمة دفعتهم لاستخدام مياه الصرف الصحي لسقاية محاصيلهم، في خطوة اضطرارية تهدد صحة السكان وتنعكس سلبًا على جودة الإنتاج الزراعي، وتحمل تبعات خطيرة على الأمن الغذائي للمناطق المحيطة.
يُعد نهر العاصي واحدًا من أهم الأنهار في بلاد الشام، وينبع من سهل البقاع في لبنان، قبل أن يشق طريقه شمالًا عبر سوريا وصولًا إلى البحر الأبيض المتوسط بالقرب من الحدود التركية.
وسمي "العاصي" لأنه يعاكس اتجاه معظم أنهار المنطقة التي تتدفق عادة نحو الجنوب، وهو ما جعله رمزًا طبيعيًا وتاريخيًا بارزًا لسكان سوريا على مرّ العصور.
لكنّ جفافه الحالي يعدّ الأسوأ منذ أكثر من نصف قرن، وتحديدًا منذ تسجيل آخر تراجع كبير في جريانه قبل نحو 54 عامًا، ما يعكس حجم الضغط المناخي والبيئي الذي تواجهه المنطقة.
شريان حياة
يشكل نهر العاصي شريان الري الأساسي لمدن وبلدات في محافظات حماة وحمص وإدلب.
ويسهم النهر في دعم الزراعة، وتأمين مياه الشرب، وإحياء الصناعات التقليدية المعتمدة على الماء.
غير أنّ عددًا من العوامل اجتمعت لتصنع هذا المشهد القاتم:
- انخفاض كبير في هطول الأمطار.
- تراجع تدفق الينابيع المغذية.
- تزايد الطلب على المياه.
- آثار متراكمة للتغير المناخي.
وتحذر جهات محلية من أنّ استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى خسائر زراعية ضخمة وتراجع في مخزون المياه الجوفية.
كارثة بيئية
مشهد جفاف نهر العاصي أثار موجة من الأسئلة حول مستقبل الموارد المائية في سوريا، وما إذا كانت البلاد مقبلة على موجة جفاف طويلة قد تعيد تشكيل الخارطة الزراعية والاقتصادية بالكامل.
ورغم عدم صدور أيّ بيان رسمي حتى الآن بشأن خطة مواجهة الأزمة، يطالب الخبراء بتدخل عاجل يشمل إدارة أفضل للموارد المائية، ودعمًا للمزارعين، وتحركات جدية لمواجهة آثار التغير المناخي.