في منعطف متوقع، قررّت النيجر الغنية باليورانيوم سحب الامتياز من شركة أورانو الفرنسية، وتأميم المنجم الذي طالما مثّل شريانًا حيويًا للصناعة النووية في فرنسا. القرار الذي يأتي وسط تحولات سياسية إقليمية، اعتبره مراقبون تصعيدًا اقتصاديًا وصفعة مباشرة لمنظومة تعتمد على الطاقة النووية كمصدر أساسي للكهرباء وللقوة الردعية العسكرية. فما الأسباب وراء هذا القرار؟ وما تأثيره على نفوذ فرنسا النووية في إفريقيا؟
وكان منجم اليورانيوم SOMAIR في أرليت مشتركًا بنسبة 63% مع شركة Orano الفرنسية، و37% مع شركة الدولة النيجرية Sopamin، قرار تأميمه جاء بعد تدهور العلاقات بين المجلس العسكري الحاكم في نيامي وباريس منذ الانقلاب في يوليو 2023، وسط اتهامات حكومية بأنّ Orano تتصرف "بشكل غير مسؤول وغير قانوني وغير عادل".
السلطات النيجرية بررت التأميم بـ"استعادة السيادة الوطنية" على الموارد الطبيعية، وبأنّ شركة أورانو لم تلتزم بشروط الاستثمار العادلة، في حين اعتبرت فرنسا أنّ القرار يخالف الاتفاقيات الدولية، ويضرب استقرار الاستثمارات الأجنبية في العمق الإفريقي.
أسباب تأميم اليورانيوم في النيجر
في السياق، أوضح الدبلوماسي النيجري السابق علي تاسع، أنّ السلطات العسكرية النيجرية تحاول محو كل ما من شأنه أن يذكّرها بماضي النيجر الاستعماري، موجهًا اتهاماته لباريس بحياكة مؤامرات ضد بلاده بشتى الوسائل مع منظمة الإيكواس ومع الإرهابيين، "حيث إنها تموّلهم وتدربهم وتسلحهم، الأمر الذي حرّك حفيظة السلطات العسكرية فتصلبت في مواقفها".
وخرجت النيجر، ومعها بقية أعضاء تحالف دول الساحل، من منظمة الإيكواس التي تعتبرها هذه البلدان منظمة فرنكوفوفية، ثم جاء دور التأميم، وفق تاسع الذي اعتبر أنّ القرار الجديد ليس مناورة موقتة، بل "قطيعة نهائية مع المستعمر الفرنسي الذي لم يقبل، لحد الآن، بأنّ الأمور قد تغيرت، وأنّ صفحة الرئيس بازوم قد سوّيت إلى الأبد".
من جهته، وصف ريجيه أنكيبيه، مدير مركز إنتر غلوب المتخصص في العلاقات الدولية والجيوسياسية في باريس، أنّ القرار تعبير عن إرادة سيادية، وحق سيادي أصيل من قبل السلطة العسكرية في النيجر لاستعادة السيطرة على اليورانيوم الخاص بها، حتى وإن كان هذا اليورانيوم خاضعًا لعقد أو اتفاق أو تحالف بين فرنسا والنيجر، وأضاف:
- اليوم، تُعدّ هذه الخطوة، كما هو الحال في كل عمليات التأميم بحسب الدول والأيديولوجيات، بمثابة إعلان عن إرادة إستراتيجية من النيجر لاسترجاع التحكم في مواردها الطبيعية.
- نعم، بالفعل، العلاقة بين فرنسا والنيجر تدهورت منذ وقت طويل، وبالتالي يمكن القول إنّ هذه الخطوة ليست سوى "مسمار في نعش" العلاقات بين البلدين.
- لطالما اعتبر النيجيريون أنّ اليورانيوم الذي كانت تستخرجه شركتا "أورانو" و"زاريفا" يُستغل بشكل مفرط من قبل فرنسا. واليوم، تستعيد النيجر السيطرة على هذا المورد.
- من المرجح أن يؤدي ذلك إلى تعقيد إضافي في العلاقات الدبلوماسية بين فرنسا والنيجر. لكن، العلاقات متدهورة أساسًا، ولذلك لا أعتقد أنّ هناك مزيدًا من التصعيد المرتقب في مسار هذه العلاقات.
نووي إيران ومأزق فرنسا
وتابع الخبير الفرنسي بالقول: "في الواقع، نحن اليوم نعيش في سياق يسلط الضوء على أهمية الطاقة النووية، ويكفي فقط أن ننظر إلى ما يحدث حاليًا في إيران، لنفهم أنّ الطاقة النووية تُعدّ موردًا إستراتيجيًا بامتياز. وبالتالي، إذا عدنا إلى العلاقة بين النيجر وفرنسا، فإنّ الأمر يتعلق بوصول تقليدي إن صح التعبير، كانت فرنسا تتمتع به تاريخيًا إلى يورانيوم النيجر، في إطار ظروف نعلم أنها لم تكن في صالح النيجر، لكنها كانت مفيدة للغاية لفرنسا. هذا الواقع تغيّر اليوم، إذ عادت هذه الموارد إلى السيادة الوطنية للنيجر".
ومع ذلك، أشار المتحدث ذاته في تصريح لـ"المشهد"، أنّ يورانيوم النيجر لم يكن يمثل سوى 15 إلى 20% مما كانت فرنسا تستغله من هذه المادة. "ففرنسا، بطبيعة الحال، كانت قد أقامت شراكات أخرى، سواء في أوروبا الوسطى أو في أستراليا. لذا نعم، كانت تستفيد من وصول أسهل وأكثر ربحية إلى موارد النيجر، لكنها منذ ذلك الحين قامت بتنويع مصادرها وشركائها. وبالتالي، ما فقدته إستراتيجيًا في النيجر استطاعت تعويضه من خلال علاقات أخرى في أماكن مختلفة من العالم".
وتعتمد فرنسا على الطاقة النووية لتوليد أكثر من 70% من حاجاتها الكهربائية، وهو ما يجعل اليورانيوم مادة حيوية لأمنها الطاقوي. ولطالما شكلت النيجر، الغنية بمناجم أرليت وأكوكان، مصدرًا أساسيًا لتزويد المفاعلات الفرنسية.
وفي إطار التأثير الاقتصادي، يشرح أنكيبيه، أنّ السياق الدولي الحالي سيؤدي إلى ارتفاع في أسعار هذه الموارد. لكنّ هذا الارتفاع لن يطال فرنسا وحدها، أو النيجر وحدها، أو حتى إفريقيا فقط، بل سيمسّ العالم بأسره، متوقعًا توترًا في الأسواق، وارتفاعًا عامًا في الأسعار، كما سيتفاقم التنافس الإستراتيجي والجيوسياسي بين القوى العالمية، وهو ما سيؤدي أيضًا إلى اضطرابات في أسواق البورصة العالمية.
ويفقد تأميم اليرورانيوم فرنسا مصدرًا أساسيًا يغطّي نحو 15 إلى 20% من احتياجاتها من الوقود النووي قبل 2023، إلى جانب احتجاز 1,150 طنًا من اليورانيوم تقدّر قيمتها بـ200 مليون يورو. هذا الوضع، بحسب مراقبين، سيدفع فرنسا للعودة بشكل مكثف إلى موردين مثل كازاخستان وأستراليا، ما سينعكس على تكلفة الإمدادات وربما على أسعار الكهرباء.
فرصة روسيا والصين
لكن هل تمتلك النيجر القدرات التقنية لإدارة المناجم من دون شريك غربي؟، عن هذا السؤال أجاب علي تاسع قائلًا: إنّ النيجر شريك في الشركة منذ تأسيسها، فالشركة لم تتوقف، وإنما تسدد الدولة رسوم أسهم فرنسا وباقي الشركاء، موضحًا أنّ:
- القدرات التقنية واللوجستية موجودة، حيث إنّ النيجريين عملوا في هذه الشركة طيلة 5 عقود من الزمن، تقريبًا.
- القدرات التقنية واللوجستية ليست حكرًا للغرب، بل هناك دول أخرى شرقية كروسيا والصين.
وردًا على قرار التأميم، بدأت فرنسا إجراءات قانونية مع Orano، عبر التحكيم الدولي أمام "CIRDI" والبنك الدولي، كما تستعد الحكومة لتعزيز علاقاتها مع موردين آخرين وتنويع مصادر اليورانيوم، ما قد يستغرق شهورًا وربما سنة.
لكنّ الدبلوماسي النيجري السابق علي تاسع، اعتبر فرص نجاح فرنسا، حتى ولو لجأت إلى التحيكم الدولي، ضئيلة، "لأنّ فرنسا هي من بدأت. إذًا السلطات النيجرية لها بالمرصاد، وقد جهزت ما يلزم، إذا دعت الضرورة".
ويخلص مراقبون إلى أنّ النيجر تحقق مكسبًا رمزيًا واقتصاديًا على المدى القصير، لكنها ستتحمل أعباء الإدارة التقنية والمالية للمناجم على المدى المتوسط والطويل، أما فرنسا فتفقد نفوذًا إستراتيجيًا موقتًا، وتتجه نحو تنويع مصادرها مع تحمل تكاليف إضافية وتبعات قانونية طويلة، فيما قطاعها النووي ليس في أزمة فورية، ولكنه في حالة إنذار تتطلب تحركًا سريعًا لتعويض خسائره.