hamburger
userProfile
scrollTop

exclusive
 دمشق تُلاحق الأسد.. ما الأبعاد القانونية لمذكرة التوقيف السورية؟

قاضي التحقيق في دمشق أصدر مذكرة توقيف غيابية بحق بشار الأسد (أ ف ب)
قاضي التحقيق في دمشق أصدر مذكرة توقيف غيابية بحق بشار الأسد (أ ف ب)
verticalLine
fontSize

في سابقة قضائية بتاريخ سوريا الحديث، أصدر قاضي التحقيق السابع في دمشق، توفيق العلي، مذكرة توقيف غيابية بحق الرئيس السوري السابق بشار الأسد، على خلفية اتهامات تتعلق بأحداث درعا بتاريخ الثالث والعشرين من نوفمبر عام 2011.

مذكرة تحمل بين سطورها أبعادا قانونية وسياسية، وتفتح الباب واسعا أمام التساؤلات الآتية: هل تتحول إلى بداية مسار لمحاسبة الأسد محليا ودوليا، أم ستبقى حبرا على ورق رهين التوازنات السياسية؟

مذكرة اعتقال بشار الأسد

تشمل المذكرة تهم القتل العمد والتعذيب المؤدي إلى الوفاة وحرمان الحرية، وذلك استنادا إلى دعوى تقدم بها ذوو ضحايا أحداث درعا.

ونقلت وكالة الأنباء الرسمية سانا عن القاضي العلي قوله إن القرار القضائي يفتح الباب لتعميم المذكرة عبر الإنتربول ومتابعة القضية على المستوى الدولي، مشيرا إلى أن هذا الإجراء يعد الأول من نوعه داخل سوريا من جانب السلطات الانتقالية، في خطوة وصفها مراقبون بأنها غير مسبوقة.

وفي تعليق قانوني، يؤكد المختص في القانون الجنائي الدولي من باريس، المعتصم الكيلاني، لمنصة "المشهد" أن:

  • مذكرة التوقيف الغيابية بحق الأسد لها قيمة قانونية كاملة داخل الأراضي السورية، لأنها صدرت وفقا لقانون أصول المحاكمات الجزائية لعام 1950، الذي يجيز لقاضي التحقيق إصدار مذكرات توقيف غيابية متى توافرت دلائل جدية.
  • الإعلان الدستوري المؤقت لعام 2025 أسقط أي حصانة رئاسية أو وظيفية وشخصية، وبذلك أصبح بشار الأسد كأي متهم عادي أمام القضاء السوري.

ويشير إلى أن المذكرة صالحة ونافذة محليا، وتشكل أساسا لأي تحرك قضائي أو دولي لاحق، معتبرا أنها الأولى بحق الأسد محليا بعد أن سبقه القضاء الفرنسي بثلاث مذكرات دولية.

أحداث درعا

مثلت محافظة درعا في العام 2011 الشرارة الأولى للاحتجاجات الشعبية ضد نظام الأسد، والتي سرعان ما تحولت إلى نزاع دموي أودى بحياة أكثر من نصف مليون شخص في عموم البلاد.

وتستند المذكرة القضائية إلى المواد (533) و(534) و(535) و(298) من قانون العقوبات السوري، ما يعني أن الأسد يواجه أحكاما قد تصل إلى الإعدام، في إشارة إلى جدية فتح باب المحاكمة محليا، مع إمكانية توسعها عبر الإنتربول لاحقا.

ويقول الكيلاني في هذا السياق: "داخل سوريا، المذكرة ملزمة وواجبة النفاذ. أما خارج الحدود، فتنفيذها يتوقف على التعاون الدولي".

وصدور المذكرة جاء بعد 9 أشهر من هروب الأسد إلى روسيا عقب سقوط نظام حكمه في ديسمبر الماضي ووصول المعارضة بقيادة الرئيس الانتقالي الحالي أحمد الشرع إلى السلطة في دمشق.

ويتزامن القرار مع زيارة مرتقبة للشرع إلى موسكو منتصف أكتوبر للمشاركة في القمة الروسية – العربية، وهي زيارة وصفها نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك بأنها تحمل "أهمية خاصة لفتح صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين".

حتى الآن، لم تبد موسكو أي تجاوب مع المطلب السوري بتسليم الأسد، وهو ما يثير تساؤلات عن كيفية تعاطيها مع هذا الملف المعقد.

احتمالية التنفيذ

يوضح الكيلاني أن تنفيذ المذكرة يتوقف على التعاون الدولي، ويشرح: "من الناحية القانونية، إذا طلبت سوريا من روسيا تنفيذ المذكرة، فهي ملزمة بذلك بموجب اتفاقية تسليم المجرمين الموقعة بين البلدين في 30 يونيو 2022، التي تستثني الجرائم السياسية. لكن بما أن التهم تتعلق بالقتل والتعذيب، وهي جرائم جسيمة، فلا يمكن لموسكو التذرع بالاستثناء السياسي".

ويضيف: "أما في باقي الدول، فإن التنفيذ يظل رهنا بقرار السلطات الوطنية. بعض الدول قد تعتبر المذكرة صادرة عن قضاء مختص وتنفذها، فيما قد ترفض أخرى بحجة السيادة أو غياب اتفاقية ثنائية".

ويختتم بالقول: "يمكن القول إن التنفيذ الدولي ممكن، لكنه مرهون بالإرادة السياسية للدول المستقبلة للمذكرة، وعلى رأسها روسيا حاليا".

خطوات تفعيل عبر الإنتربول

يوضح الكيلاني أن تعميم المذكرة عبر الإنتربول يتطلب المرور بـ4 خطوات أساسية:

  1. قيام مكتب الإنتربول الوطني في دمشق (NCB) بإرسال طلب رسمي إلى الأمانة العامة للإنتربول في مدينة ليون الفرنسية.
  2. إرفاق المذكرة بملف قانوني يشمل بيانات الهوية، وصف الجريمة، النصوص القانونية، والدلائل الأولية.
  3. مراجعة الطلب من قبل الإنتربول للتأكد من أن القضية تخص جرائم جنائية جسيمة (كالقتل والتعذيب) وليست جريمة سياسية، وفق المادة الثالثة من النظام الداخلي.
  4. إذا اجتاز الطلب المراجعة، تصدر نشرة حمراء (Red Notice) تعمم على الدول الأعضاء، لتصبح المذكرة قابلة للتنفيذ دوليا، رهنا بقرارات كل دولة عضو.

خطوات قضائية موازية

لا تقف الملاحقات عند بشار الأسد وحده، فقد أصدرت دمشق سلسلة مذكرات توقيف بحق رموز النظام السابق، من بينهم:

  • عاطف نجيب: الضابط الأمني المرتبط ببداية احتجاجات درعا عام 2011.
  • أحمد بدر الدين حسون: المفتي السابق، بتهمة التحريض على القتل.
  • محمد الشعار: وزير الداخلية الأسبق.
  • إبراهيم الحويجة: مسؤول بارز في المخابرات العامة.

وفي يوليو الماضي، أعلنت وزارة العدل السورية فتح ملفات محاكمات لعدد من المتهمين بجرائم ضد المدنيين، في إطار ما وصفته بـ"نهج المساءلة والعدالة الانتقالية".

وتشير بيانات الشبكة السورية لحقوق الإنسان إلى أن الأسد مسؤول عن مقتل ما لا يقل عن 200 ألف مدني، بينهم 15 ألفا قضوا تحت التعذيب، إضافة إلى إخفاء قسري لما يزيد على 96 ألف شخص، وتشريد قرابة 13 مليون مواطن.

كما ساهمت سياساته في تدمير نصف مدن البلاد وانهيار البنية التحتية والاقتصاد.

ويعتبر كثير من السوريين أن صدور المذكرة يمثل خطوة طال انتظارها لتحقيق العدالة، مؤكدين استمرار مطالبتهم بمحاكمة الأسد وكل من تورط في تلك الجرائم.

مذكرات فرنسية

المذكرة السورية تأتي بعد سلسلة مذكرات فرنسية سابقة بحق الأسد:

  • في سبتمبر 2025، أصدرت السلطات الفرنسية مذكرة توقيف بحقه بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية مرتبطة بمقتل صحفيين عام 2012.
  • في نوفمبر 2023، مذكرة أخرى على خلفية الهجمات الكيميائية في الغوطة ومناطق أخرى، التي أودت بحياة أكثر من ألف شخص بغاز السارين.
  • في يوليو 2025، طلبت النيابة الفرنسية لمكافحة الإرهاب مذكرة جديدة، قبل أن يعود القضاء في أغسطس ويصدر 7 مذكرات بحق مسؤولين كبار سابقين، بينهم الأسد، في قضية تفجير مركز صحفي بحمص أدى إلى مقتل الصحفية الأميركية ماري كولفين والمصور الفرنسي ريمي أوشليك.

ويوضح الكيلاني أن المذكرة السورية: "صادرة عن قاضي تحقيق وطني، مدعومة بالإعلان الدستوري المؤقت الذي أسقط الحصانات، وقابلة للتعميم عبر الإنتربول، ما يمنحها قوة خاصة كونها صادرة من القضاء الطبيعي للجريمة، ولأن سوريا هي الدولة الأولى بالمحاكمة بحكم أن الضحايا والمجرم جميعهم سوريون".

أما المذكرات الفرنسية، فهي: "صادرة عن قضاء أوروبي، ما يمنحها وزنا دوليا أكبر خاصة داخل الاتحاد الأوروبي، وتستفيد من كون فرنسا عضوا في نظام روما الأساسي. وهذا يمنحها بعدا سياسيا وضغطا دوليا أوسع".

ورغم جسامة الجرائم المنسوبة للأسد، لا تملك المحكمة الجنائية الدولية ولاية قضائية على سوريا، إذ لم تصادق دمشق على نظام روما الأساسي.

ومع ذلك، استخدمت محاكم أوروبية، خصوصا في ألمانيا، مبدأ الولاية القضائية العالمية لمحاكمة مسؤولين أمنيين سوريين سابقين بجرائم ضد الإنسانية.

دلالات المذكرة السورية

تمثل المذكرة السورية منعطفا قضائيا وسياسيا، إذ تحمل رسالة واضحة حول سعي دمشق بجدية لتثبيت العدالة الانتقالية، ومحاسبة من ارتكبوا الجرائم بحق الشعب السوري.

ويرى مراقبون أنها بداية مسار طويل، يسجل فيه التاريخ أن السوريين شرعوا فعليا في محاسبة رأس النظام السابق.

ويؤكد الكيلاني أن: "المذكرة تحمل قيمة رمزية كبرى باعتبارها أول اعتراف قضائي داخلي بمسؤولية الأسد، لكنها ليست رمزية فقط، إذ يمكن أن تتحول إلى مسار قضائي ممتد إذا تم تعميمها عبر الإنتربول، وإذا استخدمت كأساس لطلبات تسليم بموجب اتفاقيات قضائية، مثل الاتفاقية الموقعة مع روسيا عام 2022".

ويضيف: "لكن نجاح هذا المسار يتطلب إدخال تعديلات تشريعية في القانون السوري، تشمل تجريم جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وإلغاء التقادم عنها، إضافة إلى إعادة هيكلة القضاء كي يكون قادرا فعليا على المحاسبة".

مع توافر أدلة دامغة وازدياد الضغوط الحقوقية الدولية، تبقى مسألة محاسبة بشار الأسد رهنا بالتطورات السياسية الإقليمية والدولية، غير أن صدور مذكرة التوقيف السورية يمثل خطوة تاريخية لكسر حلقة الإفلات من العقاب، ويفتح الطريق أمام عدالة انتقالية طال انتظارها.