اشتعل التوتر في إقليم كردستان بعد صدامات خطِرة اندلعت بين عشيرة الهركي، إحدى أكبر العشائر الكردية، وقوات الأمن والبشمركة، على خلفية تظاهرات مفاجئة في قرية لازان، تحوّلت سريعًا إلى موجة غضب امتدّت نحو حرق مقار حزبية، والتهديد باستهداف منشآت نفطية حيوية، وسط دعوات متفرقة لتدخل بغداد، وحديث متنامٍ عن "هجمة منظمة" تستهدف الإقليم.
وفي هذا السياق، قال أحمد الهركي، القيادي في حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، للإعلامي طوني خليفة في برنامج "استوديو العرب" عبر قناة ومنصة "المشهد"، إنّ ما جرى بدأ بمطالب مجتمعية بسيطة من أبناء قرية لازان، الذين طالبوا بفرص عمل في المصفى القريب من منطقتهم، قبل أن تتنصل الشركة من وعودها، ما أدى إلى احتجاجات تطوّرت إلى اشتباك داخل محيط المصفى.
وأضاف أنّ تعامل القوات الأمنية جاء "أقل من المطلوب" وأدى إلى سقوط ضحية من خارج سكان القرية، وهو سائق حافلة من كركوك صودف مروره في المنطقة، الأمر الذي زاد غضب الأهالي ودفع الأمور نحو انفلات سريع.
حساسيات عشائرية
وتابع الهركي أنّ الحساسية العشائرية كان لها دور كبير في تصعيد المشهد، موضحًا أنّ العشيرة الهركية هي الأكبر بين العشائر الكردية في العراق وتركيا وإيران، وأنّ أيّ احتكاك معها يأخذ تلقائيًا بُعدًا اجتماعيًا واسعًا، خصوصًا وأنّ أبناءها موزّعون سياسيًا بين الاتحاد الوطني والديمقراطي الكردستاني وأحزاب أخرى. وأشار إلى أنّ "ضعف الإحساس بالعدالة" في طريقة التعامل مع المحتجين يجعل الانتماءات القبلية تتغلب على الانتماء الوطني، وهو ما حدث في الأزمة الأخيرة.
وحول البيان المنسوب لوجهاء العشيرة الذي أعلنوا فيه براءتهم من أعمال الحرق والاعتداء، قال الهركي إنّ من دعا إلى تفجير المصفاة "شاب تحدّث بعفوية" وإنّ دعوته لا تعبّر عن موقف العشيرة، مؤكدًا أنّ الهركيين يرفضون أيّ عمل قد يهدد استقرار كردستان أو ينعكس سلبًا على الإقليم.
وأوضح أنّ الأزمة كانت قابلة للاحتواء منذ البداية لو جرت معالجتها "بحكمة أكبر"، وأنّ المطلوب اليوم هو حل كردي – كردستاني داخل الإقليم، بعيدًا عن أيّ وصاية خارجية.
ومن أربيل، قال الكاتب والباحث السياسي كفاح محمود كريم، إنّ ما حصل في خبات ولازان لم يشهد استخدامًا للدبابات أو المدرعات أو المسيّرات، خلافًا لما جرى في السليمانية قبل شهور. وأضاف أنه اطّلع عن قرب على تفاصيل الحدث وزار المنطقة، ولاحظ أنّ التوتر تفاقم بعد دخول "قوى ميليشياوية من بغداد" على خط الأزمة، عبر حملات تحريض إعلامية استهدفت زعزعة الاستقرار.
وتابع أنّ بعض المحرضين سعوا إلى استغلال الموقف لخلق فوضى أوسع وصلت إلى المطالبة بإسقاط أربيل ونظام الرئيس مسعود بارزاني.
وأشار محمود إلى أنّ الأجهزة الأمنية تدخلت فقط بعد تعرّض المصفى لإطلاق نار، مؤكدًا أنّ ما جرى شكّل خطرًا كبيرًا، لأنّ المصفى أحد أكبر منشآت الطاقة في كردستان والعراق.
وكشف أنّ الأمن اعتقل المحرضين الذين دعا بعضهم إلى حرق المصفى ومحطات الكهرباء ومحال تجارية في خبات. وأكد أنّ محافظ أربيل أعلن عودة الهدوء وعودة الأهالي إلى منازلهم.
وتابع محمود حديثه قائلاً إن ما يجري في كردستان ليس معزولاً، بل يأتي ضمن "هجمة ممنهجة" من قبل قوى ميليشياوية ترفض الدستور والفيدرالية وتحاول افتعال الأزمات داخل الإقليم. وأشار إلى أن هذه القوى سبق أن احتلت كركوك وسنجار وخانقين خلافاً للدستور، وهي اليوم تحاول تعميق الانقسامات الداخلية.
ولفت إلى أن الإقليم تجنب الرد عسكرياً على هجمات بالصواريخ والمسيرات مصدرها بعض الفصائل، ليس ضعفاً وإنما خشية من توسيع دائرة الصراع إلى مواجهة طائفية أو عرقية. وأضاف أن واشنطن وطهران تمثلان عامل تهدئة في المشهد، وأن الولايات المتحدة تستعد لإرسال مبعوث رئاسي جديد إلى العراق بصلاحيات واسعة لمعالجة ملف الميليشيات.
وختم محمود بالقول إن "الحل الأميركي" المطروح يقوم على إنهاء المجموعات المسلحة الخارجة عن سلطة الدولة، معتبراً أن استمرار نفوذها داخل مؤسسات الحكومة الاتحادية يمثل خطراً على العراق والإقليم معاً.