أثار اقتراح قائد الجيش السوداني التابع لحكومة بورتسودان عبد الفتاح البرهان، تغيير علم السودان والعودة لعلم الاستقلال 1956، جدلًا وغضبًا كبيرًا بين السودانين، وتساءلوا عن جدوى هذه الخطوة في ظل معاناة الشعب السوداني من ويلات الحرب.
وقال البرهان "أقترح العودة إلى علمنا ذي الألوان الثلاثة الذي رفعه أجدادنا وآباؤنا في زمن الاستقلال". وأضاف "يجب إعادة صياغة الدولة السودانية من الأول وبناء السودان على أسس صحيحة".
ويرى السودانيون والمراقبون أن هذا المقترح قفزة في الهواء لا تفيد الشعب السوداني الذي يعاني الجوع والنزوح والفقر.
تشتيت الانتباه
قال المحلل السياسي فايز السليك إن إعلان البرهان بشأن تغيير العلم هو محاولة للتشويش على خسارة مدينة بابنوسة والهزائم المتتالية في إقليم كردفان.
ويتفق الكاتب الصحفي أحمد خليل مع هذا الطرح، مؤكداً أن الخطوة يمكن وصفها بأنها محاولة لتشتيت انتباه الرأي العام السوداني عن القضية الأساسية، وهي الحرب والسلام، وتحويله إلى قضية فرعية مثل موضوع العلم.
وقال خليل في حديثه لـ"المشهد": "في الوقت ذاته كان الحديث، سواء على المستوى العالمي أو السوداني، يدور حول الرباعية وتدخل ترامب لفرض السلام في السودان. خرج البرهان في ذلك اللقاء وطرح موضوعاً آخر لتشتيت الانتباه." وأشار إلى أنها محاولة من البرهان للتغطية على الهزائم في الفاشر وبابنوسة.
وأضاف: "السؤال المطروح: هل هذا مهم؟ وهل العودة إلى العلم القديم أو الإبقاء على الحالي ستغيّر شيئاً فعلياً للسودانيين؟ هذا هو السؤال الأكثر إلحاحاً في ظل معاناة أكثر من 16 مليون سوداني بين لاجئ ونازح داخل وخارج السودان، مشتتين ويعانون معاناة كبيرة ويتوقون إلى السلام. بالتالي، فإن مثل هذه القضايا ليست سوى بالونات اختبار."

علم الاستقلال في السودان يُقصد به العلم الذي رُفع يوم إعلان استقلال السودان في 1 يناير 1956، وهو أول علم وطني للدولة السودانية بعد نهاية الحكم الثنائي المصري-البريطاني.
لكن في عام 1970 تم تغييره من الرئيس جعفر النميري بالعالم الحالي لدولة السودان.
ورفض البرهان مقترح هدنة قدمته اللجنة الرباعية الدولية بشأن السودان، مؤكدًا أن أيّ مقترح "يبقي على الدعم السريع" بلا تفكيك لن يلقى قبولًا من الجيش.
وكان البرهان وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو حليفين، وأخرجا المدنيين من السلطة التي بدأت تتكوّن بعد الإطاحة بالبشير، إلى أن بدأ الصراع على السلطة يظهر بينهما بشكل واضح.
دولة 1956
وقال السليك في حديثه لـ"المشهد" إن إعلان البرهان قد يكون رداً على تصريحات قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو "حميدتي" بشأن ضرورة تغيير دولة 1956، وهي الدولة التي تشكلت عقب استقلال السودان وانفصاله عن مصر، والتي يرى حميدتي أن الجيش الحالي هو أحد نتاجها.
ويؤيد خليل هذا الرأي، قائلاً: "هذا الطرح يأتي أيضاً كرد على الشعارات التي يروج لها الدعم السريع بأن دولة 56 هي سبب انتكاسة السودان ومعاناته وحروبه الطويلة. فالسودان منذ 1956 عاش حروباً داخلية عديدة: حرب الجنوب، جبال النوبة، النيل الأزرق، دارفور، والحرب الحالية."
وأشار السليك إلى أن مثل هذه القرارات المصيرية في تاريخ الشعوب، كالتي تتعلق بتغيير العلم أو النشيد الوطني، لا بد أن تمر عبر مؤسسات ديمقراطية مثل البرلمان أو استفتاء شعبي، ولا يمكن أن يتخذها فرد واحد.
وأكد أن الشعب السوداني اليوم مقهور ومشرد في أنحاء العالم بسبب الحرب، مضيفاً أن البرهان لا يضع رأي الشعب في أولوياته، والدليل إصراره على استمرار القتال ورفضه أيّ فرصة للتفاوض أو الهدنة الإنسانية.
وبدوره، قال خليل: "عادة مثل هذه المواضيع تحتاج إلى سلسلة إجراءات إعلامية وتشريعية، وتتم في دولة مستقرة لديها برلمان منتخب يطرح هذه المسائل للاستفتاء العام. لكن السودانيين اليوم لا يولون ذلك اهتماماً، لأن اهتمامهم الأكبر منصب على المعاناة اليومية."
واندلعت الحرب بين الجيش السوداني بقيادة البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة نائبه السابق دقلو في أبريل 2023، وتسبّبت بمقتل عشرات الآلاف وبتهجير نحو 12 مليونا، وبما وصفته الأمم المتحدة بأنه "أسوأ أزمة إنسانية في العالم".
وأعلنت قوات الدعم السريع في 7 نوفمبر موافقتها على مقترح "الهدنة الإنسانية" الذي قدّمته الولايات المتحدة والسعودية والإمارات ومصر.
وينص الاقتراح على "هدنة تمتدّ 3 أشهر" يتم خلالها تشجيع الجانبين على إجراء محادثات للتوصل إلى اتفاق سلام دائم، وعلى أن تستبعد الحكومة الحالية وقوات الدعم السريع من المشهد السياسي بعد النزاع.
وخسر الجيش السوداني مؤخرا السيطرة على مدينة الفاشر في غرب البلاد لصالح قوات الدعم السريع التي باتت تسيطر على كل إقليم دارفور الشاسع. وتحدثت تقارير عن وقوع مجازر واغتصابات وعمليات نهب ونزوح جماعي لسكان الفاشر بعد سيطرة قوات الدعم السريع عليها.