hamburger
userProfile
scrollTop

exclusive
 إلغاء قيصر.. لحظة مفصلية في تاريخ سوريا بعد الأسد

المشهد

إلغاء قيصر يعيد رسم المشهد السياسي والاقتصادي بسوريا (رويترز)
إلغاء قيصر يعيد رسم المشهد السياسي والاقتصادي بسوريا (رويترز)
verticalLine
fontSize
هايلايت
  • إلغاء قيصر يمهد لتعافٍ اقتصادي وتوسيع التعاون الدولي.
  • خبراء: التعافي الاقتصادي مرهون بضبط الفساد وإعادة هيكلة المؤسسات.
  • النظام الجديد مطالب بنموذج حكم لامركزي يلبّي مطالب المكونات


إثر إقرار الكونغرس مشروع قانون لإلغاء عقوبات قيصر على سوريا، وذلك في إطار مناقشة مشروع موازنة الدفاع للعام 2026، فإن هذه الخطوة تمثل "نقطة تحول مفصليّة" في المسار السوري، وفق مراقبين تحدثوا لـ"المشهد"، إذ يعكس تغيّر مقاربة المجتمع الدولي تجاه الإدارة الجديدة ويفتح الباب أمام إعادة تنظيم العلاقة بين دمشق والعالم.


طفرة اقتصادية

لكنّ إلغاء قيصر لا يضمن حدوث طفرة اقتصادية أو بالأحرى حدوث تحسن اقتصادي فوريّ، في ظل التحديات البنيوية العميقة التي يعانيها الاقتصاد، وفق المصادر ذاتها.

فالتأثير الفعلي يتوقف على عدّة أمور، منها قدرة الحكومة على إصلاح بيئة الاستثمار وضبط الفساد وبناء نموذج حكم مختلف وأكثر لامركزية يلبّي مطالب المكوّنات المحلية.

من جهتها، ثمّنت وزارة الخارجية السورية، اليوم الخميس، تصويت مجلس النواب الأميركي أمس لصالح إلغاء العقوبات. فيما أوضح بيان الخارجية السورية أن هذا التصويت، وما سيليه من تصويت مرتقب في مجلس الشيوخ الأميركي الأسبوع المقبل، يؤسس "لمرحلة من التحسن الملموس في حركة الاستيراد وتوافر المواد الأساسية والمستلزمات الطبية، وتهيئة الظروف لمشاريع إعادة الإعمار وتنشيط الاقتصاد الوطني".

وتابع: "يمثل هذا التطور محطة محورية في إعادة بناء الثقة وفتح مسار جديد للتعاون، بما يمهد لتعافٍ اقتصادي أوسع وعودة الفرص التي حُرم منها الشعب السوري لسنوات بفعل العقوبات".

لحظة مفصلية

يمثّل إلغاء عقوبات قيصر "لحظة مفصليّة" في المشهد السوري، ليس فقط من حيث إنهاء مرحلة طويلة من الاختناق المالي والاقتصادي، بل كإشارة واضحة على تغيّر مقاربة المجتمع الدولي تجاه الإدارة الجديدة في دمشق، وفق الكاتب السياسي السوريّ المقيم في باريس شيار خليل.

وأوضح خليل في حديثه لـ"المشهد" أن العقوبات التي شكّلت لأعوام أداة الضغط الأبرز على سوريا، تحوّلت اليوم إلى "ملف مؤرشف"، ما يفتح الباب أمام إعادة تعريف العلاقة السورية الدولية على أسس جديدة، ويمنح الحكومة الحالية مساحة أوسع للتحرك داخلياً وخارجياً.

لكن رفع العقوبات لا يعني تلقائياً "تحسناً اقتصادياً سريعاً". فالمشكلات العميقة التي يعاني منها الاقتصاد السوري من ضعف البنية المصرفية، وتضرر القطاعات الإنتاجية، وغياب بيئة قانونية واضحة لن تُحلّ بمجرد إزالة القيود الخارجية، وفق خليل.

وتابع: "التأثير الحقيقيّ سيبقى مرهوناً بقدرة الإدارة الجديدة على بناء قواعد حكم مختلفة عن نموذج شبكات الولاء التقليدية، وبمدى جدّيتها في فتح المجال أمام الاستثمار، وضبط الفساد، وخلق بيئة شفافة يمكن أن تستقطب رؤوس الأموال الخليجية والدولية التي كانت تنتظر لحظة كهذه، لكنها لا تزال مترددة".

وسياسياً، يحمل الإلغاء دلالات أعمق من الاقتصاد. فهو يعكس قبولاً دولياً واقعياً بالترتيب الجديد داخل سوريا تفرضه الوقائع على الأرض ومطالب المكوّنات المحلية، بحسب الكاتب السياسي شيار خليل.

وأكد خليل أنه بالمحصلة، إلغاء قيصر ليس "نهاية أزمة ولا بداية حلّ نهائي"، لكنه من دون شك النقطة التي تبدأ عندها إمكانية بناء "سوريا جديدة". فإمّا أن يتحول إلى فرصة لانطلاق اقتصادي وسياسي، أو يُعاد توظيفه لترميم النسخة القديمة بوجه جديد.

وختم حديثه قائلًا إن "كل شيء سيتوقف على كيفية إدارة الداخل لهذه اللحظة وعلى قدرة الدولة فتح نوافذ تطوير حقيقية، لا تجميل شكلي لواقع مأزوم".

وفرض قانون قيصر لعام 2019 عقوبات واسعة النطاق على سوريا استهدفت أفرادا وشركات ومؤسسات مرتبطة بالأسد، الذي حكم سوريا من عام 2000 حتى الإطاحة به في 2024 على يد قوات المعارضة بقيادة الشرع.

وأطلق اسم قيصر على هذا القانون في تكريم للمصور العسكري السوري الذي نجح في تسريب وكشف آلاف الصور التي أثبتت ارتكاب نظام الأسد لانتهاكات جسيمة وجرائم تعذيب ضد المعتقلين في السجون السورية خلال فترة الانتفاضة. 

ليس حلاً سحرياً

يتفق والرأي ذاته المحلل والكاتب السياسي السوري درويش خليفة، والذي يرى أن إلغاء قانون قيصر يشكل "خطوة مفصلية" تفتح باباً واسعاً أمام تغيّرات محتملة في الوضع السوري، لكنه ليس حلاً سحرياً.

فمن جهة، يعيد الإلغاء جزءاً من الأمل للسوريين بإمكان استعادة الاستقرار السياسي وتحريك النمو الاقتصادي، وفق خليفة لـ"المشهد"، ومن جهة أخرى يضع البلاد أمام "التزامٍ ثقيل بضرورة إصلاحات داخلية عميقة تشمل مكافحة الفساد، وإعادة هيكلة مؤسسات الجيش والأمن والقضاء بما يضمن احترام حقوق الإنسان، والانفتاح على القوى المحلية لتوسيع المشاركة في الحياة السياسية".

وتابع: "بعد تصويت الكونغرس على إلغاء القانون ضمن موازنة الدفاع لعام 2026، أصبحت البيئة الاستثمارية أكثر انفتاحاً. فالشركات الخليجية والتركية والأجنبية تستطيع اليوم الدخول إلى السوق السورية ودراسة جدوى مشاريع إعادة الإعمار واستثمار الحاجة الكبيرة للتنمية والبنية التحتية".

لكن الصورة لا تبعث بتفاؤل كامل، وفق الكاتب والمحلل السياسي السوري، موضحاً أن البيئة الاقتصادية ما تزال مُقيدة بتحديات ثقيلة، منها غياب بنية تحتية أساسية، اضطراب عمل المصارف والمؤسسات المالية، وتآكل القدرة الإنتاجية بما يفوق 90% في بعض القطاعات نتيجة الحرب. ذلك ما يشير إلى أن التعافي سيتطلب سنوات، خصوصاً إذا لم تترافق مرحلة ما بعد قيصر مع إصلاحات جدية للحدّ من الفساد واستعادة الكفاءات السورية في الخارج.

لذلك يصبح الانتقال من اقتصاد الظل الذي حكم البلاد لعقود إلى اقتصاد قائم على الشفافية والمحاسبة "شرطاً لازماً".

وقال خليفة: "في حين يبقى العامل الحاسم في استعادة تدفق الأموال والمساعدات والاستثمارات الأجنبية هو ترتيب البيت الداخلي؛ إذ لا يمكن لاقتصاد أن ينتعش في ظل تشتت جغرافيّ ومجتمعيّ، وانتشار السلاح، وتعدّد التدخلات الخارجية".

وأضاف: "شرط أساسي لعودة مسار الدولة لتتقاطع فيها القوى المتحركة مع الطريق المؤدي إلى دمشق".