hamburger
userProfile
scrollTop

سوريون يعيدون بناء حياتهم وأحيائهم المدمرة في داريا

أ ف ب

أحياء بأكملها سويت بالأرض ومرافق خدمية مدمرة (رويترز)
أحياء بأكملها سويت بالأرض ومرافق خدمية مدمرة (رويترز)
verticalLine
fontSize
هايلايت
  • سوريون يعيدون بناء حياتهم وأحيائهم المدمرة في داريا قرب دمشق.
  • عاد عشرات الآلاف ومعهم خبراتهم الجديدة وحتى أموالهم الى داريا.
  • تدمّر نحو 65% من أبنية المدينة تماما.
  • تعول السلطات الجديدة على دعم دولي لإطلاق مرحلة إعادة الإعمار.

بعد الإطاحة بحكم بشار الأسد، عاد الرسام بلال شوربه الى مدينة داريا ليفاجأ بأن عددا من الجداريات التي رسمها قبل نحو عقد من الزمن لتحاكي تجارب الحصار والاعتقال والتوق للحرية، ما زالت صامدة.

في المدينة الوحيدة التي أخلاها النظام السابق تماما من سكانها في ذروة سنوات النزاع السوري، يتفقد شوربه (31 عاما) إحدى رسوماته على جدار مهدّم في أحد الأحياء.

تجسد "سمفونية الثورة" كما أسماها، كيف تحولت التحركات السلمية الى نزاع مسلح تعددت أطرافه.

وتظهر في الرسم فتاة برداء أبيض تعزف الكمان، وخلفها جندي يصوّب بندقيته تجاهها، ومن خلفه مقاتل يلاحقه ويقع بدوره تحت مرمى بندقية مقاتل من تنظيم "داعش".

شوربه الذي قضى السنوات الأخيرة لاجئا في تركيا، وعاد الى دمشق بعد تسلم السلطات الانتقالية الجديدة الحكم في البلاد، يعتبر بقاء عدد من جدارياته بعد كل هذه السنوات، هو "انتصار".

البناء من الصفر

في العام 2019، وبعدما كانت قوات الأسد استعادت السيطرة على مناطق واسعة خسرتها في السنوات الأولى من الحرب، سمحت دمشق لسكان داريا، خصوصا النازحين الى محيطها، بالعودة تباعا بعد تدقيق أمني.

وكان غالبية العائدين من النساء والأطفال والمسنين.

وبعد 8 ديسمبر، عاد عشرات الآلاف من السكان، لا سيما اللاجئين الى دول الجوار، وبينهم أطباء ومهندسون وعمال ومزارعون. وحمل عديدون منهم خبراتهم الجديدة ومهاراتهم وحتى أموالهم الى داريا.

وعاد كذلك ناشطون وحقوقيون اختبروا آليات العمل الديموقراطي ومناخ الحريات في دول اللجوء، والتي لم يتذوقوا طعمها يوما في سوريا

وتختصر داريا، المدينة التي يمكن منها رؤية القصر الرئاسي بالعين المجردة، مأساة حرب قتلت أكثر من نصف مليون شخص وشرّدت الملايين. أحياء بأكملها سُوّيت بالأرض، مرافق خدمية مدمّرة، شحّ في المياه والكهرباء وغياب الاتصالات عن أحياء عدة. ربع آبار المدينة فقط تعمل ومياه الصرف الصحي تفيض في أحياء عدة.

وبحسب مسح أجرته الجمعية الأميركية للمهندسين السوريين في أبريل، تدمّر نحو 65% من أبنية المدينة تماما، وتضرّر حوالى 14%. أما النسبة المتبقية، فهي صالحة للسكن، لكنها تحتاج الى ترميم نسبي وإكساء.

ومع ذلك، لم يتردّد حسام اللحام (35 عاما) في العودة مع عائلته التي كوّنها في إدلب، ليرزق بأصغر بناته الثلاث في دمشق هذا العام.

ويقول اللحام الذي نشط بعد العام 2011 في العمل الإغاثي داخل داريا قبل أن يصبح قائدا عسكريا ويغادرها في عداد من تمّ اجلاؤهم منها عام 2016، "قررنا أن نعود إلى داريا، لأننا الوحيدون القادرون على إعادة بناء منازلنا".

ويضيف الرجل الذي يقود لجنة المبادرات ضمن الإدارة المدنية لداريا لـ فرانس برس "إذا انتظرنا المجتمع الدولي والمنظمات، قد لا نرجع"، مضيفا "نرمّم بيوتنا بأنفسنا لكن نريد المساعدة في البنى التحتية".

وتعوّل السلطات الجديدة على دعم دولي لإطلاق مرحلة إعادة الإعمار، لكن الأولويات كثيرة والإمكانات المتوفرة متواضعة.

ورشات في كل مكان

وبينما سوت العمليات العسكرية أحياء بأكملها بالأرض على غرار حي الخليج المحاذي لقاعدة المزة العسكرية، تبدو أحياء أخرى مهدمة جزئيا شبه مقفرة، وتقتصر الحركة فيها على سكان يقطنون منازل رمموها على عجل في أبنية متصدعة.

وتبدو أحياء أخرى أقل تضررا أشبه بخلية نحل. يتوزع عمال على الأسطح، يرممون مدرسة هنا ويعيدون بناء واجهة مبنى هناك، بينما ينهمك آخرون بإعادة تأهيل مضخة مياه أو نقل مفروشات صُنعت في المدينة التي يكاد لا يخلو حي فيها من ورشة نجارة. 

والقطاع الطبي من أكثر القطاعات تضررا، نتيجة خروج 4 مستشفيات خلال الحرب من الخدمة، أبرزها مستشفى داريا الوطني الذي افتتح عام 2008 بقدرة استيعابية تصل إلى نحو 200 سرير. 

وبات المستشفى المصمم أساسا لخدمة أكثر من مليون شخص، عبارة عن هيكل خرساني ضخم أخرجه القصف من الخدمة صيف 2016. ثم نُهبت محتوياته بالكامل واقتلع بلاطه وأسلاك الكهرباء وأبواب ونوافذ منه، وفق ما عاين فريق فرانس برس. 

ولجأ أطباء داريا من أصحاب الاختصاصات الى دول عدة بينها مصر والأردن وتركيا وصولا الى أوروبا، ولم يعد الجزء الأكبر منهم.

استثناءات

لكن الاختصاصي في جراحة الأنف والأذن والحنجرة الدكتور حسام جاموس (55 عاما) قرّر العودة من الأردن، بعد مغادرته وعائلته عام 2012.

ويقول لفرانس برس من داخل عيادة جديدة افتتحها في داريا وعلق على أحد جدرانها شهاداته التي حصل على بعضها في الأردن، "توقعت دمارا كبيرا لكن ليس إلى هذه الدرجة".

في الأردن، كان القانون يحول دون أن يزاول جاموس مهنته كطبيب، هو الذي ترك في أدراج عيادته السابقة ملفات أكثر من 32 ألف مريض عاينهم. فاختار العمل كمتطوّع في جمعية خيرية ثم مستشفى تابع للهلال الأحمر الإماراتي.

في مدخل عيادته الجديدة الذي اخترقه الرصاص، رفع جاموس لافتة كبيرة تحمل اسمه ومجالات تخصصه. وبعد أسابيع من العمل، تجاوز عدد مرضاه المئات، من أطفال مصابين بالتهاب اللوز الى مرضى يعانون من ثقوب في غشاء طبلة الأذن أو كسور أنف جراء الضرب تحت التعذيب أو الاعتقال.

ويتابع "كما خدمت أبناء بلدي اللاجئين في الأردن، أتابع اليوم الخدمة ذاتها في بلدي".

حلم تحقق

العودة إلى سوريا هي كذلك هدف فريق عمل جريدة عنب بلدي التي طبعت أولى أعدادها في داريا عام 2012 قبل أن تنتقل إلى بلدان عدة بينها تركيا وألمانيا.

من "فكرة حالمة" بدأتها مجموعة ضمت أكثر من 20 شابا وشابة، قُتل 4منهم خلال المرحلة التأسيسية، باتت الصحيفة التي تصدر اليوم إلكترونيا من دمشق، من أبرز المنصات المستقلة في سوريا.

أمام منزل مهدم صدر منه العدد صفر، يقول أحد مؤسسي الصحيفة ومدير تحريرها عمار زيادة (35 سنة) لفرانس برس، "كانت فكرتنا حينها أن نصدر صحيفة محلية في داريا.  لم نتوقع أبدا أن تتوسع ويصبح لها هذا الحضور على خريطة الإعلام في سوريا".

ومع رجوع عدد من فريق المنصة من الخارج حيث طوروا مهاراتهم وخبراتهم، وانضمام صحفيين شباب إليها من خلفيات متعددة مناطقيا ودينيا، تعمل عنب بلدي، وفق ما يشرح زيادة، على إنتاج "محتوى مهني مستقل" بعد عقود فرضت خلالها السلطات المتعاقبة قيودا على عمل الصحافة وحولتها أداة دعائية.

ويأمل زيادة أن "ينتزع الإعلام المستقل مساحة من الحرية المتاحة حاليا" في سوريا رغم التحديات، مضيفا "ندفع لأن يكون مهنيا ويتمكن من نقل صوت الناس وألا يكون تابعا أو موجها سياسيا من أجل خدمة الأطراف السياسية".

ويقطن حاليا في داريا، وفق بلديتها، نحو 200 ألف شخص، 80 ألفا منهم عادوا بعد الإطاحة بالأسد.

ويقول رئيس بلدية داريا محمد جعنينة لفرانس برس إن مواطنين "عادوا ووجدوا منازلهم مدمّرة يطالبوننا بتأمين المأوى أو الدعم" لإعادة بناء منازلهم.

كما يواجه عدد كبير من السكان عقبة رئيسية تتمثل في صعوبة إثبات ملكياتهم بسبب فقدان مستنداتهم، ما يحول دون قدرتهم على إعادة البناء، وهي معضلة يواجهها السوريون في مدن عدة.