ارتياح شديد يخيم على الأوساط المصرية المختلفة ولا سيما الحقوقية منها، بعد الإفراج عن عدد من المعتقلين السياسيين وعلى رأسهم الناشط المصري علاء عبد الفتاح، الذي يحمل الجنسية البريطانية، وذلك في إطار عفو رئاسي صادر عن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، بحق 6 سجناء عن باقي مدة العقوبة المحكوم بها عليهم بعد اتخاذ الإجراءات الدستورية والقانونية في هذا الشأن.
قرار العفو عن هؤلاء المعتقلين السياسيين، جاء بعد التماس مُقَدم من المجلس القومي لحقوق الإنسان في مصر للرئيس السيسي، في إطار الصلاحيات الدستورية المقررة له النظر في إصدار عفو رئاسي عن مجموعة من المحكوم عليهم، بناءً على استجابة لمطالبات تلقاها المجلس من ذويهم لمنحهم فرصة جديدة في حياتهم، والعودة إلى أسرهم والعيش وسط مجتمعهم في ظروف طبيعية.
وقوبل قرار العفو عن النشطاء السياسيين وخصوصًا علاء عبد الفتاح الذي يحمل الجنسية البريطانية بجانب المصرية، بردود فعل إيجابية على مختلف المستويات، حيث رحبت به وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر، قائلة إنها ممتنة للرئيس السيسي لاتخاذه هذا القرار، كما أثنت منظمة هيومن رايتس ووتش الحقوقية في بيان لها بقرار العفو عن علاء عبد الفتاح.
فرصة لتحقيق التوازن
وفي تصريحات خاصة لمنصة "المشهد" ثمن عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان الدكتور محمد ممدوح قرار العفو الرئاسي عن المعتقلين السياسيين، واصفاً القرار بأنه يمثل خطوة مهمة وإيجابية والتي تؤكد أن مصر أمام فرصة حقيقية لتحقيق التوازن بين سيادة القانون وحماية الحقوق، كما أنها تحمل في طياتها العديد من الرسائل من أهمها:
- وجود إرادة سياسية حقيقة وجادة في فتح مساحات جديدة من الحوار.
- هذه الخطوة بداية لمسار إصلاحي يتطلب تضافر كل الأطراف داخل الدولة من مجتمع مدني ومنظمات حقوقية وقيادة سياسية.
وأوضح ممدوح أن الوساطة التي قام بها المجلس القومي المصري لحقوق الإنسان في هذا الملف وغيره من الملفات الأخرى على مدار السنوات الماضية، تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن هذه المؤسسة الوطنية المستقلة لحقوق الإنسان في مصر، تقوم بدور فاعل ومؤثر في مسار الإصلاح داخل البلاد وتعطي الفرصة لبدء صفحة جديدة مع المخالفين في الرأي، مبيناً أن المجلس القومي لحقوق الإنسان سيظل دائماً في المنتصف يستمع لكافة الأصوات، من أجل أن ينقلها بشكلٍ موضوعي إلى القيادة السياسية للخروج بقرارات تخدم المواطن من جهة، والدولة من جهة أخرى.
انفراجه حقيقية
ووفقاً لعضو المجلس القومي المصري لحقوق الإنسان، فإن كل من لم يتورط في رفع السلاح على المصريين ولم تُلوث يده بالدماء، يستحق أن يُمنح فرصة أخرى، موضحاً أن الرأي لا يواجه إلا بالرأي، والفكر لا يواجه هو الآخر إلا بالفكر، وأن الإفراج عن المحبوسين في قضايا سياسية من غير المتورطين في قضايا مرتبطة بالعنف والعمليات الإرهابية، سيساعد على تعزيز صورة العدالة المصرية داخلياً وخارجياً، ويساهم في حفظ السلم المجتمعي وتعزيز تماسك الجبهة الداخلية.
ومشيراً في الوقت نفسه إلى أن الدولة في أمس الحاجة إلى إعادة التلاحم والتكاتف في ظل متغيرات الظروف الإقليمية والدولية الراهنة.
تعزيز مناخ الحقوق
ومن ناحيته أكد المتخصص في مجال حقوق الإنسان أمجد فتحي، أن هذه القرارات تعكس حرص الدولة على تعزيز مناخ الحقوق والحريات، وتهيئة بيئة داعمة للحوار الوطني والمشاركة المجتمعية، مشيرًا إلى أن الإفراج عن هؤلاء يفتح الباب أمام إعادة دمجهم في المجتمع ليكونوا شركاء فاعلين في مسيرة التنمية والإصلاح، موضحاً أن مثل هذه القرارات ستُعيد الأمل لمزيد من الشباب، وتفتح الطريق أمام مصالحة مجتمعية حقيقية، تقوم على احترام القانون وحقوق الإنسان، وترسيخ الاستقرار والمشاركة الحقيقة في بناء وتنمية الوطن.
وأضاف فتحي أن استمرار هذه المبادرات يمثل رسالة طمأنة لكل الأطراف، داعيًا إلى تفعيل آلية العفو بشكل دوري بالتعاون مع لجنة العفو الرئاسي والمجلس القومي لحقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني، بما يضمن معالجة الملفات العالقة وتعزيز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
مؤشرات إيجابية
الأحزاب والقوى السياسية في مصر رحبت هي الأخرى بالعفو الرئاسي عن عدد من المعتقلين السياسيين، وأصدر بعضها بيانات تُثمن هذه الخطوة التي اعتبروها بأنها تعمل على ترسيخ العدالة والاستقرار، وفي هذا السياق يقول أمين لجنة حقوق الإنسان والحريات بحزب العدل الدكتور إسلام ريحان إن:
- قرار العفو الرئاسي بحق عدد من المحكوم عليهم، والذي يتزامن مع قرار رئيس الجمهورية بإعادة مشروع قانون الإجراءات الجنائية إلى مجلس النواب، مؤشرات إيجابية مهمة لحماية حقوق الإنسان في توقيت بالغ الدلالة.
- هذه القرارات تُعَبّر عن جدية الجهود الوطنية المبذولة لتعزيز ضمانات حقوق الإنسان، كما أنها تُبرز حرص مؤسسة الرئاسة على ضمان توافق قانون الإجراءات الجنائية مع كافة مبادئ حقوق الإنسان والحريات العامة وسيادة القانون.
وذهب ريحان إلى القول إن هذه الخطوات تمثل تأكيداً لاحترام الدولة المصرية لالتزاماتها الدولية بموجب المواثيق الدولية لحقوق الإنسان التي صَدّقت عليها، فضلاً عن التزام واضح بتعهداتها أمام آلية الاستعراض الدوري الشامل بمجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة في دورته الرابعة التي عقدت في يناير 2025.
وبَيّن ريحان أن هذه القرارات تحمل رسائل مضمونها أن كافة المسارات ممهدة لاضطلاع المؤسسات كلاً في نطاق اختصاصه، بدوره في حماية وتعزيز واحترام حقوق الإنسان والحريات العامة، ويستوجب ذلك تضافر الجهود والعمل الجماعي للبناء على هذه المكتسبات، وذلك من خلال ترسيخ قيم الحوار التشاركية والنقد البنّاء، فضلاً عن تعزيز البنية المؤسسية لمنظومة حقوق الإنسان في مصر بمختلف تنظيماتها، بما يُسهم في تحقيق مستهدفات الإستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، وتعزيز فاعلية تطويرها وتحديثها، وذلك من أجل وطن يسود فيه التمتع بحقوق الإنسان.
إصلاحات منتظرة
ولفت عضو المجلس القومي المصري لحقوق الإنسان الدكتور محمد ممدوح، إلى أن الإفراج عن النشطاء السياسيين خطوة تحتاج أن يتم البناء عليها بشكل أوسع، من أجل وجود مسار إصلاحي شامل ومستدام، من أجل بناء عدالة ناجزة تعمل على الموازنة بين حماية الأمن القومي، وصون الحقوق والحريات الخاصة بالمواطنين، وذكر أن من أبرز الإصلاحات المأمول تنفيذها خلال الفترة المقبلة الآتي:
- مراجعة التشريعات المرتبطة بحرية الرأي والتعبير.
- توسيع بدائل الحبس الاحتياطي.
- تطوير الآليات المستقلة لمراجعة الملفات الحوارية.
جهود حثيثة نحو تعزيز ملف حقوق الإنسان
وبحسب ممدوح فإن ملف حقوق الإنسان والحريات في مصر شهد خلال الأعوام الماضية خطوات جادة تستحق المتابعة، ولعل من أبرزها الآتي:
- تفعيل لجنة للعفو الرئاسي عن المحبوسين سياسياً والتي ساهمت في الإفراج عن عدد كبير منهم.
- اتخاذ إجراءات جادة نحو تعديل قانون المجلس القومي لحقوق الإنسان، وهو الإطار القانوني الحاكم الذي ينظم عمل المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان داخل مصر.
- رفض الرئيس السيسي لقانون الإجراءات الجنائية بشكله الحالي لما له من تحفظات صادرة عن عدد من المنظمات الحقوقية والمدنية، ورده إلى مجلس النواب من أجل تعديله مرة أخرى وخروجه بالشكل الذي يتوافق مع مبادئ حقوق الإنسان.
- قرار العفو الأخير عن عدد من المعتقلين السياسيين.
وكان الرئيس السيسي قد قرر العفو عن 6 من السجناء بينهم الناشط المصري الذي يحمل الجنسية البريطانية علاء عبد الفتاح، وذلك استجابة لمُناشدة المجلس القومي المصري لحقوق الإنسان، وهو الأمر الذي قوبل بترحيب واسع في الشارع المصري.