تواصل الولايات المتحدة ضبط "البوصلة الإقليمية" منذ وقف إطلاق النار في غزة، لجهة حلحلة النفوذ الإيراني بالمنطقة، بداية من لبنان مروراً باليمن وحتى العراق، وفق ما يشير إليه مراقبون تحدثوا لـ"المشهد"، مؤكدين أن الانتخابات العراقية تكشف عن "رسائل أميركية" واضحة ومباشرة باتجاه ضرورة منع تشكل أي نفوذ إيراني جديد، وفك الارتباطات القديمة والتقليدية، من خلال توازنات مغايرة برلمانية وفي تسمية الرئيس الجديد للحكومة.
تهديد أميركي
وبالتزامن مع التهديد الأميركي مؤخراً بفرض عقوبات على العراق في حال استمرار نفوذ القوى الولائية، واصل مبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى العراق مارك سافايا، تحذيراته بـ"تفكك واضطراب وعزلة دولية قد يواجهها العراق"، إذ لم يحسم موقفه من السلاح غير الشرعي والمتفلت بيد الفصائل العسكرية، وفق ما جاء في تدوينه له على منصة "إكس".
وقد أكد المبعوث الأميركي أن بغداد "أمام واحدة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخها الحديث، وأن استمرار الميلشيا المسلحة خارج سيطرة الدولة يهدد مكانة العراق، ويقوّض إمكانات نهوضه".
كما شدد على ضرورة وضع حدّ لأيّ قوى ميلشياوية "تنافس الدولة وتحدّ من سلطتها"، الأمر الذي تسبب في "إضعاف موقع العراق الدولي، وخنق اقتصاده، وقلّص قدرته على حماية مصالحه الوطنية".
معضلة النفوذ الإيراني
في حديثه لـ"المشهد"، يرى الناشط العراقي المستقل وسام الجبوري، أنه لا يُرجَّح أن تتمكن الولايات المتحدة في الوقت الراهن من إنهاء النفوذ الإيراني في العراق بشكل كامل، نظراً لارتباطات دينية ومذهبية عميقة تربط البلدين، بالإضافة إلى نجاح طهران بعد عام 2003 في التغلغل داخل مفاصل الدولة العراقية سياسياً واقتصادياً وأمنياً.
وجرى تكريس هذا النفوذ ضمن إطار "ديني طائفي" يتم توظيفه على نحو تلفيقيّ لتجريم أيّ محاولة للتصدي له، واتهام المعارضين بـ"محاربة الدين أو العمالة وخدمة أجندات غربية وصهيونية"، وفق ما يوضح الجبوري.
ولهذه الأسباب، يبدو أن واشنطن ستتجه إلى "تحجيم الدور الإيراني" وتقليص تأثيره بدرجة كبيرة، تمهيداً لإضعافه مستقبلاً، بدلاً من السعي إلى القضاء عليه دفعة واحدة. وفي هذا السياق، ستعمل الولايات المتحدة على التأثير في اختيار رئيس الحكومة المقبلة، بما يضمن وصول شخصية ذات علاقات متوازنة مع الغرب، وتمتلك في الوقت ذاته قنوات تواصل عربية فاعلة.
كما ستسعى واشنطن إلى تحييد الفصائل المسلحة وتقليص حضورها، عبر دمج بعضها في المؤسسات الأمنية الرسمية، واستهداف القيادات ذات الارتباط المباشر بطهران بضربات محدودة ودقيقة، بحسب الناشط العراقي المستقبل.
ويردف: "سيوازي ذلك محاولة الدفع لربط العراق اقتصادياً بمجموعة من دول المنطقة الوازنة، بهدف تقليل تأثير النفوذ الاقتصادي الإيراني، وتعويض العراق عن الفجوات التي قد تنشأ من تقليص هذا الدور".
وبذلك، فإن ما يمكن توقعه خلال المرحلة المقبلة هو توجه أميركي واضح نحو إضعاف النفوذ الإيراني بشكل كبير، من دون القدرة أو السعي في الوقت الحالي إلى القضاء عليه بشكل كامل ونهائي.
استقلال القرار العراقي
غير أن الباحث والحقوقي العراقي عادل الخزاعي، يقول إن الإستراتيجية الأميركية في العراق تتحدد على مستويين متوازيين، سياسي وأمني، بهدف إعادة تشكيل موازين القوة وتقليص النفوذ الإيراني الذي تجذّر داخل الدولة العراقية منذ عام 2003.
فمن ناحية المسار السياسي، يشير الخزاعي لـ"المشهد" إلى أن واشنطن تركز على منع تشكيل حكومة خاضعة بالكامل لمحور طهران السياسي والإقليمي، ومن ثم، العمل على ترسيخ معادلة سياسية جديدة في اختيار رئيس الوزراء، تقوم على استقلال القرار العراقي، وكذلك قطع خطوط التأثير المباشر لـ"الحرس الثوري" داخل المؤسسات التنفيذية، مقابل تعزيز النفوذ الأميركي.
وبات هذا التوجه واضحاً من خلال التدخل الأميركي غير المباشر في مسار التفاوض بين القوى السياسية والمرشحين المحتملين لرئاسة الحكومة، سعياً لمنع إعادة إنتاج نماذج مماثلة للحكومات السابقة التي كانت موالية لإيران وتدار في إطار التبعية لنظام "الولي الفقيه"، وفق الخزاعي.
أما على المستوى الأمني "تضع واشنطن ملف الميليشيا كشرط أساسيّ في أيّ تسوية مقبلة. إذ تتحرك لإعادة هيكلة المشهد الأمني وتقليص قدرة الفصائل المرتبطة بطهران على استهداف المصالح الأميركية أو التأثير في القرار العراقي".
والهدف النهائي يتمثل في "تفكيك شبكة النفوذ العسكري" التي وفّرت لإيران "عمقاً إستراتيجياً" داخل العراق لسنوات، إلى جانب معالجة اختراق أجهزة حساسة مثل المخابرات ومكافحة الإرهاب والداخلية والدفاع، والتي بات القرار الإيراني مؤثراً فيها بدرجة كبيرة، على حد توصيف المصدر ذاته.
وقد برزت خطورة هذا الاختراق بوضوح خلال حرب الـ12 يوماً بين إيران وإسرائيل، حيث تحركت خلايا تابعة لطهران بحرية تامة وعلى مرأى الأجهزة الأمنية ومن دون تدخل حكومي فعّال، الأمر الذي شكل منعطفاً في تقدير واشنطن لمدى تغلغل النفوذ الإيراني، وفق الباحث والحقوقي العراقي، ومن ثم، تقف الولايات المتحدة اليوم أمام "الاختبار الأهم" في قدرتها على إنهاء النفوذ الإيراني في العراق والمنطقة. فمرحلة اختيار رئيس الحكومة المقبلة، وما يلي الاستحقاق الانتخابي، ستكون فاصلة في تحديد ما إذا كانت إيران ستحتفظ بأي نفوذ فعلي في بغداد أم ستفقد آخر مواقعها الإستراتيجية.
ويختتم الخزاعي حديثه قائلاً إن واشنطن تخوض حالياً "معركة لإغلاق آخر بوابة إقليمية تعتمد عليها إيران"، بما يجعل المرحلة المقبلة شديدة الحساسية ومرتبطة بصورة مباشرة بمستقبل التوازنات في الشرق الأوسط.