لا يزال مسعود بارزاني الزعيم الكردي العراقي الذي حمل السلاح لأول مرة ضد صدام حسين عندما كان شابًا صغيرًا، شخصية بارزة على الساحة السياسة الكردية، مع اقتراب العراق من الانتخابات المقررة في 11 نوفمبر الجاري.
ورغم أنه لم يعد يشغل منصبًا رسميًا، فإن الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامته، يحث الأكراد على المشاركة بقوة في الانتخابات من أجل حماية مصالح الإقليم وتعزيز موقفه في المفاوضات الشائكة مع بغداد.
وتأثرت مسيرة بارزاني السياسية بعقود من التمرد والخيانة والتفاهمات الهشة مع الحكومات العراقية المتعاقبة. والآن وهو في أواخر السبعينيات من عمره، لا يزال يتمتع بنفوذ من خلف الكواليس وكثيرًا ما يشار إليه بـ"الرئيس" في الإعلام والأوساط الدبلوماسية الكردية.
ويبدو أن إرثه حاضر غائب في الأفق في السباق على مقاعد البرلمان الوطني في بغداد، وهو سباق قد يؤدي إما إلى تعزيز الحكم الذاتي الكردي، أو الكشف عن ندوب عميقة داخل المشهد السياسي الكردي.
ومن شأن الأداء القوي للحزب الديمقراطي الكردستاني، أن يمنح معسكر بارزاني موقفًا أقوى في الخلافات مع الحكومة المركزية بشأن عائدات النفط ومخصصات الموازنة، وهي أمور أدت إلى تصاعد التوتر بين أربيل وبغداد بشكل حاد في عام 2025.
أما الأداء الضعيف فمن شأنه أن يعطي نفوذًا لأطراف كردية منافسة ويعزز موقف الحكومة المركزية.

من مقاتل وسط الجبال إلى مفاوض سياسي
وتميزت مسيرة بارزاني الطويلة بالدهاء والصبر. وفي أعقاب حرب الخليج عام 1991، انتفض الأكراد ضد صدام ونزل بارزاني ومقاتلو البشمركة التابعون له من الجبال وسيطروا على مدن عدة.
لكن الحلفاء المنتصرين بقيادة الولايات المتحدة بدوا غير متقبلين لإمكانية انفصال الأكراد عن بغداد، وتركوا في البداية لقوات صدام حرية التصرف لقمع الانتفاضة.
ومن أجل التعامل مع الهزيمة الإستراتيجية، اضطر بارزاني المعروف بهدوئه إلى اتخاذ خطوة غير متوقعة والتفاوض مع صدام.
وصمد بارزاني بفضل منطقة حظر جوي فرضتها الولايات المتحدة وبريطانيا على شمال العراق، مما سمح له ولمنافسه الكردي جلال طالباني باستعادة السيطرة على المنطقة. وكان هذا بمثابة إيذان ببدء أطول فترة حكم ذاتي كردي في التاريخ الحديث. إلا أن هذه التجربة لطختها نيران الحرب بين بارزاني والاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة طالباني.
وفي عام 1996، دعا بارزاني دبابات الحكومة العراقية إلى دخول المنطقة للسيطرة على أربيل عاصمة الإقليم، الأمر الذي أدى ليس فقط إلى فرار طالباني، وإنما أيضًا عناصر وكالة المخابرات المركزية الأميركية والمتعاونين المحليين.

مقامرة من أجل الاستقلال تنتهي بالفشل
وبعد عقود من النضال وسقوط صدام في حرب قادتها الولايات المتحدة عام 2003، فعل بارزاني ما وصفه منتقدون بأنه أحد أكبر أخطائه وهو إجراء استفتاء على استقلال الأكراد في عام 2017.
ورفضت حكومة بغداد هذا الاستفتاء واعتبرته غير قانوني، ونشرت قواتها للسيطرة على مدينة كركوك النفطية التي يعتبرها الأكراد قلب أي وطن مستقبلي لهم. وتحت وطأة الخسارة المريرة، تنحى بارزاني عن رئاسة حكومة الإقليم.
وقال بارزاني في خطاب بثه التلفزيون: "أنا نفس مسعود بارزاني، أنا بشمركة وسأواصل دعم شعبي في نضاله من أجل الاستقلال". وأضاف "لم يقف أحد معنا سوى جبالنا".
معلومات عن مسيرة بارزاني ووالده
- وُلد بارزاني عام 1946، بعد وقت قصير من تأسيس والده القائد الملا مصطفى بارزاني، الذي عُرف بأسد كردستان، حزبًا للقتال من أجل حقوق أكراد العراق.
- التحق مسعود بارزاني بصفوف المقاتلين وهو في سن صغيرة، وسرعان ما أدرك أحد الثوابت في التاريخ الكردي: خيانة القوى الإقليمية والغربية لهم.
- عبر الملا مصطفى عن أسفه لأنه وثق في الولايات المتحدة يومًا، وعاش القائد صاحب الكاريزما في المنفى ومات بسبب السرطان في أحد مستشفيات الولايات المتحدة عام 1976.
- كان الملا مصطفى يخوض حرب عصابات ضد بغداد بدعم من شاه إيران الموالي للغرب، لكن الدعم انقطع عندما توسط وزير الخارجية الأميركي آنذاك هنري كيسنجر في صفقة سمحت لصدام بسحق الأكراد، بحسب التقارير.
- خلال الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988)، تحالف الحزب الديمقراطي الكردستاني مع طهران مرة أخرى، ونتيجة لذلك، اعتُقل نحو 8000 من أبناء عشيرة بارزاني الذين تم إعدامهم.
- برزت لدى بارزاني قوة قتالية لتلبية نداء الرئيس جورج بوش للقيام بانتفاضة خلال حرب الخليج عام 1991، عندما هزمت قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة جيش صدام في الكويت.
- بعد سقوط صدام، أصبح بارزاني شخصية محورية في المساعي الرامية إلى إنشاء دولة كردية مستقلة في شمال العراق. وحافظ القادة الأكراد على منطقتهم بمنأى نسبيًا عن العنف الذي طال معظم أنحاء العراق.
- توافد كبار المسؤولين التنفيذيين في شركات النفط الغربية إلى المنطقة سعيًا لإبرام صفقات.
عودة التوترات مع بغداد بشأن النفط
وظهرت القدرات العسكرية للأكراد بوضوح، خلال انضمامهم لقوات الحكومة العراقية والقوات شبه العسكرية المدعومة من إيران لطرد مسلحي تنظيم "داعش" من الموصل.
ومضى بارزاني في إجراء الاستفتاء الكارثي، تحركه ثقته في أن الوقت قد حان لإقامة وطن مستقل. وفي اليوم التالي للتصويت، استحضر بارزاني معاناة الأكراد التي تبدو طويلة. وقال لوكالة رووداو الكردية للأنباء: "أنا أناضل منذ نصف قرن.. عانيت مع شعبي من مجازر جماعية، وترحيل، وإبادة بالغاز.. أتذكر أوقاتًا ظننا فيها أننا انتهينا، وأنه سيتم محونا".
ومضى يقول: "أتذكر أوقاتًا كما في عام 1991 بعد الحرب الأولى ضد صدام، عندما جاءت الديمقراطيات لإنقاذنا ولكنها تركت الدكتاتورية في مكانها، مما أعادنا إلى الظل".
وجرى إعدام صدام حسين، عدو بارزاني اللدود، في العام 2007، لكن التوترات لا تزال قائمة بين الأكراد والسلطات في بغداد.