مع إعلان إيران إلغاء اتفاق القاهرة الذي كان يقضي باستئناف التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بما يؤشر إلى تأزم الملف النووي من جديد، فقد أوضح مراقبون لـ"المشهد"، أنّ مسارات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران مفتوحة على 3 سيناريوهات رئيسة، تتراوح بين العودة إلى طاولة الحوار، أو الانزلاق لمواجهة عسكرية، أو البقاء في "منطقة رمادية" لا تفاوض فيها ولا حرب.
أمس الخميس، بعثت طهران برسالة رسمية، إلى الوكالة في أعقاب اجتماع لها طالبت فيه بالكشف "فورًا" عن مخزون (إيران) اليورانيوم المخصب، والمنشآت النووية التي تعرضت للقصف الأميركي الإسرائيلي، في يونيو الماضي، مفادها تجميد اتفاقية التعاون الموقعة في القاهرة.
إخفاق اتفاق القاهرة
فيما نقلت وكالة "تسنيم" الإيرانية عن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي قوله إن دول الترويكا الأوروبية (بريطانيا وفرنسا وألمانيا) بجانب الولايات المتحدة، قدمت مشروع قرار يتجاهل "حسن نوايا" إيران، كما يقوض مصداقية الوكالة الدولية واستقلاليتها ويعرقل التعاون.
وبحسب وكالة "رويترز"، فإن مشروع قرار مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ألزم إيران بضرورة أن "تزود الوكالة من دون تأخير بمعلومات دقيقة عن المواد النووية والمنشآت النووية الخاضعة للضمانات في إيران، وأن تمنحها كل ما تحتاجه للتحقق من هذه المعلومات".
إلا أن وزير الخارجية الإيراني، حمّل دول الترويكا وواشنطن مسؤولية إخفاق اتفاق القاهرة الذي تمّ توقيعه في سبتمبر الماضي، وقال على منصة "إكس"، إن "الدول الأوروبية الثلاث والولايات المتحدة يسعون إلى التصعيد، فهم يدركون جيدًا أن الإنهاء الرسمي لاتفاق القاهرة هو النتيجة المباشرة لاستفزازاتها".
وأشار عراقجي إلى أنه "عندما وقّعت إيران لاحقُا اتفاقًا مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية في القاهرة لاستئناف عمليات التفتيش، بوساطة مصرية، ورغم قصف منشآتنا النووية، سعت الدول الأوروبية الـ3 إلى فرض عقوبات أممية على شعبنا تحت ضغط أميركي".
ضغوط سياسية
تعقيبًا على التصعيد الإيراني الجديد في الملف النووي، أكد المحلل السياسي والمعارض الإيراني موسى أفشار، أن المواقف المعلنة من قبل طهران، والتي تجمع بين الحديث عن "الجاهزية الكاملة" لأيّ خيارات متشدّدة، والتأكيد، في المقابل، على "عدم الرغبة في الحرب"، تعكس محاولة "مزدوجة" لطمأنة الداخل الإيراني كما تعكس توجيه رسائل "ابتزاز" للخارج، أكثر مما تمثل "توجهًا سياسيًا فعليًا"، على حد توصيفه.
وأوضح أفشار، في حديثه لـ"المشهد"، أن النظام الإيراني واجه، خلال اليومين الماضيين، تحديّين بارزين على المستوى الدولي:
- الأول تمثل في قرار الإدانة الـ72 الصادر عن اللجنة الثالثة للجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن أوضاع حقوق الإنسان في إيران.
- الثاني يتعلق بقرار الوكالة الدولية للطاقة الذرية، الذي يطالب طهران بتقديم المعلومات المطلوبة عن اليورانيوم المخصب، ومنشآتها النووية الـ3، وضمان الوصول الكامل لهيئات التفتيش.
وبحسب المحلل السياسي والمعارض الإيراني، فإن هذه التطورات تضع نظام "الولي الفقيه" أمام ضغوط سياسية متصاعدة، خصوصاً مع تفعيل آلية "الزناد" وما يرافقها من تبعات متوقعة، خصوصًا أن هذه المواقف الدولية تأتي في مرحلة "حساسة على المستوى الداخلي" في طهران، إذ تسعى الحكومة إلى ضبط وإدارة "الاحتقان المجتمعي" وتفاقم الاحتجاجات.
هذه التطورات تُظهر أن النظام يواجه "بيئة معقدة" تتطلب استجابة "مسؤولة" و"شفافة"، سواء على الصعيد النووي أو في ملف حقوق الإنسان، وفق أفشار، وذلك بما ينسجم مع الالتزامات الدولية ويخفف من حدة التوترات القائمة.
3 سيناريوهات أمام طهران
إلى ذلك، يرجح الباحث المختّص في الشؤون الإيرانية بالمعهد الدولي للدراسات الإيرانية (رصانة) الدكتور محمود أبو القاسم، 3 سيناريوهات أمام إيران، في ظل بيئة إقليمية ودولية تشهد تعقيدات جمّة:
- أولًا سيناريو التفاوض: يرجّح هذا السيناريو إمكانية استئناف الاتصالات الدبلوماسية، والتوصل إلى صيغة تفاهم جديدة بين واشنطن وطهران، قد تقتصر على الملف النووي، أو تتوسع لتشمل قضايا إقليمية وأمنية. وقد يصل الأمر، إلى اتفاق يمنع إيران من تخصيب اليورانيوم على أراضيها، أو يسمح بتخصيب محدود ضمن رقابة أميركية ودولية أوسع، خصوصًا في ظل جهود الوساطة الإقليمية بقيادة عُمان وقطر، بالإضافة إلى اهتمام سعودي بإعادة الطرفين إلى مسار تفاوضيّ مستقر.
ويضاف لذلك، غياب الرغبة في المواجهة العسكرية، مع عدم ميل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى المضي نحو حرب مكلفة في لحظة تسعى لإعادة تركيز الإستراتيجية الأميركية على الصين.
- ثانيًا سيناريو الانسداد والتصعيد العسكري: يقوم هذا السيناريو على فشل كل محاولات التفاهم، وارتفاع منسوب التوتر وصولًا إلى مواجهة مفتوحة. كما يستند إلى معطيات أبرزها، إصرار واشنطن على فرض "صفر تخصيب"، وربطه بقضايا أخرى مثل البرنامج الصاروخي الإيراني. فضلًا عن توسّع الجهود الأميركية الإسرائيلية لتقويض نفوذ إيران الإقليمي وتصفية أذرعها العسكرية. إلا أنّ طهران تواصل رفضها مناقشة برنامج الصواريخ أو وجودها الإقليمي، واعتبار هذه الملفات ضمن أمنها القومي.
هذه العوامل قد تجعل "الانسداد الدبلوماسي" مقدمة لخيارات أكثر خطورة، خصوصًا مع استعدادات إسرائيل ورغبتها في عمل عسكري "خشن"، وما يحمله فريق المحافظين في إدارة ترامب من تأثير على القرار.
- ثالثًا سيناريو "لا دبلوماسية ولا حرب": يستند هذا السيناريو إلى احتمال استمرار حالة المراوحة التي تلت انسحاب ترامب من الاتفاق النووي عام 2018، أو تلك التي شهدتها أعوام الرئيس السابق جو بايدن، حيث المفاوضات متقطعة وبلا نتائج، ومن دون انزلاق إلى حرب شاملة.
وفي إطار هذا السيناريو قد تتبع إيران إستراتيجية "التحوّط والمرونة"، وذلك عبر الإبقاء على "الغموض النووي" المتعمّد باعتباره ورقة ضغط على واشنطن، وترميم حضورها الإقليمي لتقوية موقعها التفاوضي، ثم تطوير قدراتها الصاروخية وزيادة تكلفة أيّ هجوم محتمل ضدها، فضلًا عن إطالة أمد المفاوضات كما هو الحال في فترتي ترامب وبايدن، إلى جانب إشراك أطراف دولية جديدة لتحويل الملف إلى طاولة تفاوض متعددة الأطراف.
إلا أن هذا السيناريو يواجه تحديات جمّة بعد تطورات ما بعد 7 أكتوبر، وفق أبو القاسم، إذ إنّ إدارة ترامب الثانية تبدو أكثر حسماً، وأكثر ميلاً لتحقيق نتائج سريعة، بينما فقدت إيران بعضًا من أوراقها الإقليمية، كما تراجع تأثير محورها الإقليمي بعد الضربات التي تلقاها. وتابع: "الحديث عن تغيير سياسي في إيران لم يعد مرتبطًا بالضغوط الاقتصادية أو الدعم الرمزي للمعارضة، بل أصبح ضمن أهداف العمليات العسكرية الأخيرة".
ويختتم الباحث المختص في الشأن الإيراني حديثه قائلًا إن قراءة السيناريوهات الـ3 تكشف أن البيئة الإستراتيجية الراهنة شديدة التعقيد، وأن المسار الأكثر ترجيحاً سيعتمد على توازن دقيق بين الضغوط الأميركية، والقدرة الإيرانية على الصمود والمناورة، وحسابات القوى الإقليمية، وموقع إسرائيل في معادلة التصعيد. وبينما تبدو فرص التفاهم قائمة، فإن احتمالات الانسداد لا تزال قوية، فيما يبقى السيناريو الثالث مرهونًا بتطورات غير متوقعة قد تغيّر اتجاه البوصلة بالكامل.