في الخامس والسابع من أغسطس عام 2025، أقرّت الحكومة اللبنانية، برئاسة رئيس الحكومة نواف سلام، أهداف "الورقة الأميركية" (التي حملها المبعوث الأميركي توم براك إلى المسؤولين اللبنانيين) لتطبيق حصرية السلاح بيد الدولة على كافّة الأراضي اللبنانية. تلاها تكليف مجلس الوزراء الجيش اللبناني بإعداد خطّة لتنفيذ مقررات الحكومة قبل نهاية عام 2025.
من هنا، شكّل قرار حصر السلاح بيد الدولة بارقة أمل للبنانيين، الذين رأوا في تلك القرارات الجريئة خطوة إيجابية وواعدة نحو استعادة الدولة لحضورها وهيبتها وسيادتها المسلوبة لأكثر من ثلاثة عقود.
وبالرغم من بدء الجيش فعلا بتنفيذ خطته لسحب السلاح، فإن مسألة حصرية السلاح بالكامل لا تزال هدفًا بعيد المنال، دون التمكّن من تحقيق النتائج الملموسة والمطلوبة بشكل كبير. هذا الأمر قد أجّج المخاوف والقلق من ضربة إسرائيلية محتملة تجاه "حزب الله"، أو ربما الدولة اللبنانية بهدف إنجاز "المهمّة" التي لم تستطع السلطات اللبنانية وأجهزتها العسكرية تحقيقها.
هل تمّ تحقيق حصرية السلاح؟
إنّ القرار الحكومي المذكور أعلاه يمكن وصفه بالمفصلي، كونه شكّل قطيعة واضحة مع الممارسات والسياسات التي سبق أن اعتمدتها الحكومات المتعاقبة. هذا ما أكّده رئيس الحكومة نواف سلام مؤخرًا، موضحًا أنّ السلاح يجب أن يكون بيد الدولة وبقرار من الحكومة. إنّما عمليًا، لا يمكن القول إنّ حصرية السلاح قد طُبّقت بشكل شامل.
فبالرغم من بدء الجيش اللبناني، بمؤازرة قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، بتطبيق المرحلة الأولى من خطته لسحب السلاح جنوب نهر الليطاني (عبر مداهمة الأنفاق والمنشآت العسكرية التابعة لـ"حزب الله" وحتى أحيانا الكشف على منازل مدنيين بطلب من الميكانيزم، إلّا أنّ الجيش لم يعلن حتى اللحظة عن الانتهاء من المرحلة الأولى غير أنه قال مؤخرا لمجموعة من الصحفيين خلال جولة نفذها في المنطقة إن الخطة قد المرحلة الأولى قد شارفت على الانتهاء.
اللبنانيون كما المجتمعان الإقليمي والدولي يتطلعون إلى الجلسة المرتقبة لمجلس الوزراء المخصّصة للاستماع إلى تقرير قائد الجيش رودولف هيكل الشهر الحالي؛ مع العلم أنّ الجهات الخارجية كانت تضغط ليتمّ إتمام عملية حصرية السلاح في كلّ لبنان مع حلول نهاية عام 2025، انطلاقًا من اتفاق وقف الأعمال العدائية بين لبنان وإسرائيل الذي وقّع عليه الطرفان في نوفمبر عام 2024.
خطّة حصر السلاح
أمّا فيما يخصّ السلاح شمال نهر الليطاني، فالدولة اللبنانية لم تبدأ بحصره ونزعه حتى يومنا هذا. هنا، يؤكّد مصدر حكومي لـ"المشهد" أنّ الجيش اللبناني يستعدّ للانتقال إلى مرحلة جديدة من خطّة حصر السلاح، تبدأ شمال نهر الليطاني بعد استكمال المرحلة الأولى جنوبه. ويشير إلى أنّ هذه الخطوة تأتي ضمن الخطّة نفسها التي أقرّتها الحكومة، والتي عُرضت من قبل الجيش وتتضمّن مراحل زمنية واضحة، تبدأ بـ3 أشهر جنوب الليطاني قبل الانتقال شمالًا.
هذا الواقع يعكس حدود قدرة الدولة اللبنانية على فرض قراراتها في ظلّ اختلال ميزان القوّة الداخلي، ويُظهر أنّ تكليف الجيش اللبناني، رغم رمزيته الوطنية، لم يكن مدعومًا بإجماع سياسي كامل أو بغطاء إقليمي ودولي كافٍ يتيح له تنفيذ المهمّة حتى نهايتها؛ تارةً بذريعة قدرات الجيش الخجولة، وتارةً بذريعة منع انزلاق البلاد نحو اقتتال داخلي وحرب أهلية.
إصرار "حزب الله"
ويُشكّل إصرار "حزب الله" على الاحتفاظ بسلاحه واحدة من أكثر القضايا إشكالية في المشهد السياسي اللبناني، إذ يطال الاستقرار وقرار السلم والحرب وسيادة الدولة. فمنذ نهاية الحرب الأهلية وإقرار اتفاق الطائف عام 1989، طُرحت مسألة حصرية السلاح بيد الدولة كركيزة أساسية لبناء دولة سيّدة وقادرة. غير أنّ "حزب الله" استمرّ في تبرير احتفاظه بسلاحه تحت عنوان "المقاومة" وحماية لبنان من الاعتداءات الإسرائيلية، معتبرا أن هذا السلاح يشكل عنصر توازن وردع في ظل ضعف الدولة ومؤسساتها.
إن الأوهام التي لطالما آمن بها قيادات الحزب وقاعدته الشعبية قد اصطدمت أمام التفوّق الاستخباراتي والتكنولوجي الإسرائيلي. فبعدما كان الحزب يروّج للقتال في الجليل والوصول إلى القدس، أصبح اليوم يستنجد الدولة اللبنانية والمجتمع الدولي لوضع حدّ للانتهاكات الإسرائيلية المستمرّة.
لكن، في الوقت عينه، لا يزال "حزب الله" مستمرا في سياسة الإنكار والتكابر، رافضا التخلي عن سلاحه. ففي إحدى إطلالته قال الأمين العام لـ"حزب الله" الشيخ نعيم قاسم، "اركبوا أقصى خيلكم واستخدموا وحشيتكم وإجرامكم، لكنّنا لن نتراجع ولن نستسلم، وسندافع عن حقوقنا"، معتبرًا أنّ "المقاومة ستصمد وتحقّق أهدافها ولو بعد حين".
في هذا الإطار، يقول النائب اللبناني رازي الحاج إن "حزب الله "هو "عدو نفسه الأول"، لأنّه في كل مرة يخرج إلى الرأي العام يتمسّك بسرديّة باتت، برأيه، ساقطة ميدانيًا وعلى مستوى القرارات الحكومية.
ويشدّد على أنّ قرار حصر السلاح بيد الدولة هو قرار لبناني دولي لا رجوع عنه، وأن أي محاولة للتراجع عنه، أو تمييعه، أو كسب المزيد من الوقت، أو الرهان على مفاوضات جانبية، لتكون في مصلحة "حزب الله" سياسيا أو عسكريا، ولا في مصلحة لبنان.
ويلفت الحاج إلى أن إسرائيل تتعامل معهذا الملف باعتباره ذريعة، خصوصًا بعد إعلان "حزب الله" الرسمي تمسكه بسلاحه ورفضه التخلي عنه، معتبرًا أنّهذا الإعلان بحد ذاته يشكل استدراجًا لإسرائيل. ويضيف أنّ إسرائيل تتجه إلى انتخابات في أكتوبر 2026، ويرى أنّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو لن يقبل الوصول إلى الانتخابات من دون تحقيق إنجاز ما على الجبهة الشمالية على مستوى ملف السلاح. ومن هذا المنطلق، يعتبر الحاج أن طريقة إدارة "حزب الله" للأمور تؤسّس لخطر كبير على لبنان، وقد يؤدي ذلك في أي لحظة إلى توسّع الاستهدافات الإسرائيلية لتشمل مناطق إضافية. ويختم بالتأكيد على أنّ المطلوب سياسيا هو التمسك بموقف حازم ومتكرر، والتعامل مع "حزب الله" أيضا بحزم في هذا الملف.
ضربة إسرائيلية محتملة لنزع سلاح "حزب الله"
إنّ استمرار احتفاظ "حزب الله" بسلاحه، في ظلّ إعلان رسمي لبناني عن حصرية السلاح، يضع الدولة اللبنانية في موقع بالغ الحساسية. فمن جهة، تبدو الحكومة عاجزة عن تنفيذ قرارها، ومن جهة أخرى، قد تستغلّ إسرائيل هذا الواقع لتبرير أي عمل عسكري تحت عنوان إزالة التهديد على حدودها الشمالية.
إنّ الحديث عن ضربة إسرائيلية محتملة لنزع سلاح "حزب الله" لم يعد محصورا في التحليلات الإعلامية، بل بات جزءا من خطاب سياسي وأمني متداول في المنطقة. فإسرائيل تعتبر أن "فشل" الدولة اللبنانية في نزع سلاح الحزب يُبقي هذا الملف مفتوحا أمام خيارات أحادية، خصوصا في ظل التصعيد المستمر على الجبهة الجنوبية وتداخل الساحة اللبنانية مع الصراعات الإقليمية الأوسع. هذا الأمر كان قد أكده مصدران أميركيان كانا قد واكبا اللقاء الذي جمع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، حيث أعطى الأخير الضوء الأخضر لضربة إسرائيلية على الحزب.
في المقابل، أوضح العميد منير شحادة لـ"المشهد" أنّ "إسرائيل لن تنسحب من جنوب لبنان ولن توقف اعتداءاتها، حتى لو سلّم حزب الله سلاحه، بل وحتى لو جرى تسليم السلاح في سوريا أيضًا. إسرائيل تمتلك اليوم فرصة وضوءا أخضر أميركيًا وعربيًا على مستوى المنطقة بأكملها، وليس فقط في لبنان. ولذلك، نحن نذهب إلى المرحلة الثانية قبل أن تنتهي المرحلة الأولى، وقبل انسحاب إسرائيل من الجنوب، وقبل توقف الاعتداءات. بمعنى أننا ننتقل إلى المرحلة الثالثة وننهيها، ثم نذهب إلى الثانية وننهيها، ثم الثالثة والرابعة والخامسة، فيما تبقى إسرائيل موجودة على أرضنا وتواصل اعتداءاتها. وبالتالي، سواء وُجدت الذريعة أم لا، فإن الاعتداءات ستستمر. وقد قال الإسرائيليون أكثر من مرة إنهم لن ينسحبوا أبدًا من جنوب لبنان ولا من جبل الشيخ ولا من جنوب سوريا".
ويضيف: "لقد بدأوا أصلا يتحدثون عن بناء مستعمرات ومراكز سياحية ومناطق اقتصادية. أما موضوع المراحل الأولى والثانية والثالثة، فإن إسرائيل ستستمر في الضغط على لبنان بالنار عبر القصف الجوي بالطائرات المسيّرة والحربية، وستواصل الضغط بهذه الطريقة. وهي تستفيد من الخلافات الداخلية في لبنان، لأن هناك فريقًا داخليًا معارضًا للمقاومة يطالب بالمطالب نفسها التي تطرحها إسرائيل، فتتّكل على هذه الانقسامات، إضافة إلى الأزمة الاقتصادية والسياسية والأمنية، لدفع الدولة اللبنانية والحكومة نحو اتخاذ قرار يؤدي إلى التصادم بين الجيش والمقاومة".
ويتابع شحادة قائلًا: "التصريح الأخير للأمين العام لحزب الله كان واضحًا حين قال: لا تطلبوا منا شيئًا بعد الآن. بمعنى أنّ المطلوب من الحكومة والسلطة السياسية في لبنان أن تثبّت حضورها على الأرض، وأن تطالب المجتمع الدولي وعلى رأسه الولايات المتحدة بالضغط على إسرائيل كي توقف اعتداءاتها وتنسحب من النقاط المحتلة، ثم بعد ذلك ننتقل إلى المرحلة الثانية. أما بالنسبة لمسألة ما إذا كان هذا الواقع يشكّل ذريعة لإسرائيل، فأقول إن إسرائيل بوجود العذر أو بدونه مستمرة في القصف، سواء في سوريا أو في أي مكان آخر".
ويكشف ملف حصرية السلاح عن مأزق بنيوي تعيشه الدولة اللبنانية: قرارات سيادية بلا أدوات تنفيذ فعّالة، ومؤسسة عسكرية تُحمَّل ما يفوق قدرتها، ومكابرة وإصرار من قبل "حزب الله" على الاحتفاظ بسلاحه، والحدّ من سيادة الدولة وسلامة كلّ من أراضيها وشعبها. وبين فشل التطبيق وخطر التصعيد الإسرائيلي، يبقى لبنان معلّقًا على حافة استحقاق أمني وسياسي بالغ الخطورة.