تعيش الجامعات المغربية على وقع جدل واسع حول الشعارات السياسية، خصوصا بعد حادثة إلغاء حفل تخرج بجامعة خاصة ورفض عميد كلية العلوم ابن امسيك بمدينة الدار البيضاء تسليم شهادة التخرج لطالبة بسبب ارتدائها الكوفية الفلسطينية، وهو ما قسّم المغاربة بين مدافع عن الحق في حرية التعبير وإظهار التضامن مع ما يقع في غزة، وبين من يرى أن الجامعات يجب أن تبقى مكانا للتحصيل العلمي، وليس للمزايدات السياسية وتصفية الحسابات الإيديولوجية، في وقت تتزايد فيه نسبة التضامن وسط الجامعات الغربية.
جدل الكوفية
فجّر رفض عميد كلية العلوم بنمسيك التابعة لجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، توشيح طالبة متفوقة بالمدرسة العليا للتكنولوجيا، بسبب ارتدائها الكوفية الفلسطينية جدلا واسعا في المغرب في ظل حملات التضامن مع غزة في الجامعات المغربية على غرار نظيرتها في مختلف دول العالم.
وأظهر شريط فيديو تم تصويره لحفل التخرج الذي انتشر على نطاق واسع، وقوف طالبة وسط قاعة ضمت أساتذة الجامعة والطلاب وعائلاتهم، وهي تنتظر تقدم عميد الكلية لتسمليها جائزة التفوق، ليتقدم نحوها ويبادر بالتحدث إليها، مشيرا بيده إلى "الكوفية الفلسطينية" التي كانت تضعها فوق كتفيها، وطالباها بنزعها، لكن الطالبة رفضت ذلك، ليعتذر المسؤول عن تسليمها الجائزة ويعود لمكانه، قبل يغادر الحفل بعدما وجد نفسه في موقف لا يحسد عليه بعد تعالي صيحات الاستهجان والتنديد بتصرفه.
وتمت المناداة على مسؤول آخر قام بتسليم الطالبة الجائزة وسط تصفيقات الحاضرين بالقاعة، ليعود الجدل من جديد حول حضور القضية الفلسطينية في حفلات تخرج الطلاب المغاربة مع نهاية الموسم الجامعي، ورغبتهم في إظهار لدعم والمساندة للفلسطينيين.
موقف سياسي
برّر عميد كلية العلوم ابن مسيك تسليم الشهادة للطالبة بأن الكوفية تعبر عن موقف سياسي لا يتناسب مع حفل أكاديمي، فيما ذكرت تقارير إعلامية أن المسؤول الأكاديمي قال للطالبة حينما تقدم لتسليمها الجائزة إنها تمارس السياسة.
وكشفت النقابة الوطنية للتعليم العالي والبحث العلمي بالمدرسة العليا للتكنولوجيا، في بيان استنكاري رفضها لتصرف عميد المؤسسة الذي حضر للحفل بصفته ضيف شرف قبل أن يظهر تصرفا غير مقبول ويتهم الطالبة بممارسة السياسية، في وقت يجب أن يكون فيه الحرم الجامعي فضاء ينعم فيه الجميع بحرية التعبير عن الرأي.
وقال البيان إن تصرف العميد غير المسؤول يتعارض مع الموقف الرسمي للبلاد إزاء القضية الفلسطينية ومع نبض المجتمع المغربي الذي يعبر بجميع الأشكال التضامنية عن وقوفه مع الشعب الفلسطيني ضد ما يتعرض له.
الحادث أثار استنكارا واسعا على مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصا من طرف الذين رفضوا مصادرة حق الطالبة في التعبير عن تضامنها مع الشعب الفلسطيني أمام ما يتعرض له من قتل وتهجير وحصار مستمر منذ سنوات، وحرب مستعرة ذهب ضحيتها آلاف الأشخاص في ظل غياب أي بوادر لنهاية الأزمة المستمرة لشهور.
تضامن طلابي
وعلى غرار صيغ التضامن الطلابي العالمي مع غزة التي بدأت شرارتها في الجامعات الأميركية، يسعى طلاب الجامعات الغربية إلى الحذو حذو نظرائهم والتعبير عن تضامنهم عبر حفلات التخرج التي تقام نهاية الموسم الجامعي، وفي هذا الصدد سمحت بعض الجامعات المغربية لطلابها بإقامة مظاهر تضامنية عبر ارتداء الكوفية الفلسطينية، فيما رفضت أخرى عمومية وخاصة أي شكل من أشكال إبداء التضامن.
وقال محمد أمين العلمي، وهو طالب بكلية العلوم بابن امسيك وكان حاضرا بحفل تخرج الطالبة، إن ما أقدم عليه عميد كلية العلوم وهو يمتنع تسليم شهادة التخرج لإحدى الطالبات بدعوى وضعها للكوفية الفلسطينية، تصرف يبرهن عن عدم قبول الاختلاف واحترام حرية الآخر في التعبير عن رأيه وموقفه.
من جهة أخرى، قال عبد الناصر النقرة إن الواقعة تدخل ضمن الاعتداء على الحرية الشخصية وبعيدا عن الانفعالات الحماسية، فتصرف العميد بالإيماء للطالبة بنزع الكوفية أو عدم توشيحها هو تدخل في هذه الحرية وهو موقف غير مشرف له أولا، وللجامعة التي يشرف عليها ثانيا.
وأضاف الطالب الباحث في الدراسات الإسلامية في حديث لـ"المشهد" أن الاختلاف وارد ولكن احتواء جميع الآراء وتقبلها أمر يجب تقبله من مسؤول - كان ضيف شرف فقط - يدرك جيدا أن الجامعة عبر التاريخ ظلت هي مشتل التحرر الفكري وفضاء التعبير والنقاش الحر.
شعارات سياسية
من جهته، قال أحمد الزعيري، وهو أستاذ جامعي وباحث في العلوم القانونية إن سلوك العميد هو موقف شخصي لا يلزم إلا صاحبه، مشيرا إلى أن حرم الجامعة فضاء محايد وليس فضاء تجاذبات إيديولوجية، وبالتالي فلا معنى لهذه الضجة التي أثيرت بشأن موقف عادي لا يستحق كل هذا التأويل المبالغ فيه، وأشار إلى أن الشعارات السياسية في الجامعة يجب أن تكون في الساحة وليس في لحظات خاصة.
وقال الأستاذ الزعيري في حديث لـ"المشهد" أن التضامن مع غزة يتم التعبير عنه بجميع الأشكال وليس اختيار لحظة معينة وإخراجها عن سياقها من أجل خلق تجاذب سياسي وإيديوليوجي بين مكونات الجامعة المغربية، وبالتالي كان لزام التدخل لتحديد شكل الحفل قبل انطلاقه، وإخبار المنظمين بأنه سيتضمن رموزا تعبيرية للتضامن مع فلسطين، وليس مفاجأة الجميع في لحظة سببت إحراجا وتوترا كان الجميع في غنى عنه.
عميد ابن مسيك
في المقابل، قال الإعلامي والباحث في الشأن الإمازيغي عمر إسرى، إنه مهما كان التضامن مع الطالبة صاحبة "الشال"، وحقها في ارتداء ما تشاء، فلا حق لنا في تجريم ما قام به عميد الكلية، لا حق لنا في الإساءة له والطعن في كرامته، فالرجل رفض تقديم الجائزة للطالبة بشكل شخصي، في إطار فهم خاص به لما يوحي إليه الرمز المعني بالأمر في سياق معين، لكنه لم يطردها ولم يجردها من حقها في التتويج، وسمح لأستاذ آخر بتتويجها.
وأضاف إسرى "الرمز المعني ليس مقدسا، فهو يعكس موقفا معينا، ليس بالضرورة أن يكون مشتركا بين الجميع، ولا قراءة إيحاءاته داخل كل سياق، هي القراءة نفسها، فما يجب أن يكون عليه إجماعنا، هو مبدأ الإيمان بالاختلاف، هي رموزنا الوطنية التي توحدنا جميعا. والباقي يدخل في إطار الحريات الفردية، ما دامت هذه الحريات لا تحرض على العنف والكراهية والتمييز".