قال قياديون بالحركة الإسلامية التي أطاحت بها انتفاضة شعبية في السودان عام 2019 إن الحركة قد تدعم بقاء الجيش طويلًا في الحكم في وقت تتطلع فيه إلى عودة سياسية بعد مشاركتها بمقاتلين في الحرب التي تشهدها البلاد.
وفي أول مقابلة مع وسيلة إعلامية منذ سنوات، قال أحمد هارون رئيس حزب المؤتمر الوطني -الحزب الحاكم السابق- وأحد السودانيين الأربعة المطلوبين لدى المحكمة الجنائية الدولية لـ"رويترز" إنه يتوقع بقاء الجيش في الحكم بعد الحرب، وإن الانتخابات قد تتيح لحزبه والحركة الإسلامية المرتبطة به العودة إلى السلطة.
وكان بعض قادة الجيش والموالين للنظام السابق يقللون من أهمية الحديث عن العلاقات بينهما، خوفا من التأثر بالسخط الشعبي إزاء الرئيس المخلوع عمر البشير وحلفائه في حزب المؤتمر الوطني. لكن 7 من أفراد الحركة و6 مصادر عسكرية وحكومية قالوا إن التقدم الذي حققه الجيش في الآونة الأخيرة أتاح للحركة الإسلامية التفكير في العودة للقيام بدور وطني.
وتعود جذور حزب المؤتمر الوطني إلى الحركة الإسلامية السودانية التي كانت مهيمنة في أوائل عهد البشير خلال تسعينيات القرن الـ20 عندما استضاف السودان أسامة بن لادن.
وقد يعزز صعود الحركة من جديد الردة عن الانتفاضة المطالبة بالديمقراطية التي بدأت في السودان في أواخر 2018. ويدعم هذا التصور اتهامات بتعيين عدد من الإسلاميين وحلفائهم منذ الشهر الماضي في حكومة كامل إدريس رئيس الوزراء التكنوقراطي الجديد الذي عينه الجيش في مايو أيار الماضي.
وردا على طلب من رويترز للتعليق، قال ممثل لقيادة الجيش السوداني "قد يرغب بعض قادة الإسلاميين في استغلال الحرب للعودة إلى السلطة، لكننا نقول بشكل قاطع إن الجيش لا يتحالف أو ينسق مع أي حزب سياسي ولا يسمح لأي طرف بالتدخل".
"الجيش في السياسة"
وفي حديثه لرويترز في ساعة متأخرة من الليل من مكان يختفي فيه عن الأنظار مع انقطاع خدمات الكهرباء في شمال السودان، قال هارون إن حزب المؤتمر الوطني يقترح هيكل حكم يمنح الجيش السيطرة علي الأمور السيادية "بالنظر لمهددات الأمن السوداني والتدخل الخارجي " على أن تأتي الانتخابات برئيس وزراء لإدارة الحكومة.
وأضاف هارون، حليف البشير الذي خرج من السجن في بداية الصراع، في المقابلة التي أجريت معه في أواخر أبريل "اتخذنا قرارا إستراتيجيا ألا نعود للسلطة إلا عبر صناديق الانتخابات بعد الحرب... لن نكون في أي حكومة انتقالية غير منتخبة بعد الحرب".
وأضاف "النموذج الغربي لن يكون مناسبًا للسودان. ولا بدّ من الوصول لصيغة عن دور الجيش في السياسة في ظل الهشاشة الأمنية والأطماع الخارجية، فهذه لن تكون الحرب الأولى ولا الأخيرة في البلد".
وأشار ضابط كبير في الجيش إلى أن أي فترة انتقالية يديرها الجيش حصرا قبل الانتخابات "لن تكون قصيرة".
واقترح هارون إجراء استفتاء شعبي على "من يقدمه الجيش للحكم". وهارون مطلوب لدى المحكمة الجنائية الدولية بتهم التورط في جرائم حرب وإبادة جماعية في دارفور في أوائل العقد الأول من القرن الـ21.
وبدأت عودة الفصائل الإسلامية قبل اندلاع الحرب في أبريل 2023، وهي فترة أخذت تنحرف فيها عملية الانتقال نحو الحكم المدني عن مسارها المأمول.
ورسخت هذه الفصائل وجودها داخل أجهزة الحكم وفي الجيش خلال فترة حكم البشير التي استمرت 3 عقود. واستمد قائد الجيش الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، الذي أصبح رئيسًا لمجلس السيادة الانتقالي بعد فترة وجيزة من الإطاحة بالبشير عام 2019.
مقاتلون
تظهر وثيقة لحزب المؤتمر الوطني حصلت عليها "رويترز" عبر مسؤول إسلامي كبير دورا رئيسيا للشبكات الإسلامية منذ بداية القتال.
وفي الوثيقة، يبلغ عناصر من الإسلاميين قيادتهم بالمهام التي قاموا بها وتحدثوا عن دورهم في المساهمة المباشرة في المجهود العسكري للجيش بما يتراوح بين ألفي وثلاثة آلاف مقاتل خلال العام الأول من الصراع.
وتحدثوا أيضا عن تدريب مئات الآلاف من المدنيين الذين استجابوا لدعوة الجيش للتعبئة العامة، والذين انضم أكثر من 70 ألفا منهم إلى العمليات. وقالت 3 مصادر عسكرية من الجيش و فصائل متحالفة معه إن هذه الخطوة عززت صفوف القوات البرية المتناقصة.
وقدّرت مصادر عسكرية عدد المقاتلين المرتبطين مباشرة بحزب المؤتمر الوطني بنحو 5 آلاف، يخدمون بالأساس في وحدات "قوات العمل الخاص" التي حققت جانبا من أكبر مكاسب الجيش لا سيما في الخرطوم.
وأفاد مقاتلون إسلاميون ومصادر عسكرية بأن مقاتلين آخرين دربهم إسلاميون يخدمون في لواء نخبة أعيد تشكيله ويتبع جهاز المخابرات العامة.
وقال البرهان مرارا إنه لن يسمح لحزب المؤتمر الوطني المحظور بالعودة إلى السلطة، في وقت أتاح فيه عودة موظفين مدنيين إسلاميين لمناصب رفيعة في عدد من الإدارات الحكومية.
الحلفاء الأجانب
تقدم الحركة الإسلامية السودانية لعناصرها منذ فترة طويلة تدريبات عسكرية، عبر وسائل منها ما كان يعرف في عهد البشير باسم (قوات الدفاع الشعبي) الاحتياطية.
وخلال الحرب، صعد نجم وحدات إسلامية شبه مستقلة أبرزها كتيبة البراء بن مالك.
وقال أحد قادتها وهو المهندس أويس غانم (37 عاما) لرويترز إنه أصيب 3 مرات في أثناء مشاركته في معارك حاسمة لكسر الحصار عن قواعد للجيش في العاصمة في وقت سابق من العام الجاري.
وأضاف أن أفراد الكتيبة يمكنهم الحصول على الأسلحة الخفيفة والمدفعية والطائرات المسيّرة بموجب تعليمات الجيش ويتلقون الأوامر منه.
وقال غانم "نحن لا نقاتل من أجل عودة الإسلاميين إلى السلطة، إنما نقاتل لصد عدوان قوات الدعم السريع... وبعد مشاركة الإسلاميين في الحرب، أتوقع عودتهم عبر الانتخابات".
ويتهم مراقبون لحقوق الإنسان الكتيبة بارتكاب عمليات قتل خارج نطاق القضاء في المناطق التي استعادوا السيطرة عليها في الآونة الأخيرة في الخرطوم، وهي اتهامات نفاها غانم.
وتقول مصادر عسكرية إن شخصيات إسلامية بارزة استغلت خلال الحرب علاقاتها القائمة منذ فترة طويلة مع دول مثل إيران وتركيا لمساعدة الجيش في توفير الأسلحة. وقال هارون "هذه تهمة لا ننفيها وشرف لا ندعيه".