أعلنت الحكومة الموريتانية، أنها ستتخذ تدابير لمواجهة الآثار البيئية والصحية للتعدين الأهلي الذي أصبح يشكل خطرا على المواطنين في المناطق التي ينقب فيها.
جاء إعلان الحكومة على لسان الوزير الأول محمد ولد بلال مسعود خلال تقديم السياسة العامة للحكومة أمام البرلمان، إذ اعتبر أن التعدين الأهلي بدأ في إثارة مشاكل بيئية وصحية خطيرة في البلاد.
وينتشر آلاف الموريتانيين في صحراء تيرس الزمور، وانشيري وداخلت نواذيبو، يستخدمون وسائل بدائية للتنقيب عن الذهب، حيث تعد موريتانيا من الدول الإفريقية الغنية بهذا المعدن الأصفر.
يغامر الموريتانيون بحياتهم من أجل الحصول على المعدن الأصفر الذي حول مئات الأشخاص من المعدمين إلى أثرياء، ما جعل الذهب يسيل لعاب الكثيرين.
كان الموريتانيون ينقبون بطريقة غير شرعية، بالذهاب إلى المناطق الغنية بالذهب، والتنقيب بوسائل بدائية، إلا أن الجيش والدرك كانا يطاردهم ويعتقلهم لمخالفتهم القوانين.
وفي عام 2016 سمحت الدولة للموريتانيين التنقيب عن الذهب، فقد حول جيش من المنقبين صحراء شمالي موريتانيا إلى خنادق وحفر بعد أن ظلت لقرون عديدة أرضا منبسطة يعيش فيها عدد قليل من الموريتانيين حياة البداوة مع قطعان إبلهم.
لكن الحكومة بعد أكثر من 7 سنوات بدأت تدرس فرض قيود على التعدين الأهلي، رغم أنه يدر سنويا عشرات المليارات من الأوقية.
مخاطر التعدين الأهلي
منذ سنوات تطالب المنظمات البيئية الحكومة بإعادة مراجعة القوانين المنظمة للتعدين الأهلي الذي يرون أن مخاطره البيئية والصحية بدأت تظهر في المناطق التي ينقب فيها خاصة في ولاية تيرس الزمور.
لهذا جاء حديث الوزير الأول محمد ولد بلال مسعود الذي اعترف بأن نشاط التعدين الأهلي بدأ في إثارة مشاكل بيئية وصحية خطيرة في البلاد.
وقال ولد بلال إن الحكومة ستتخذ التدابير المناسبة لتوعية العاملين في مجال التعدين الأهلي، حول المخاطر المرتبطة باستخدام المواد الكيميائية على صحتهم، بالإضافة إلى آثار التلوث وتدهور التربة والنظم البيئية.
وأضاف الوزير الأول أنه سيتم تعزيز الإجراءات الردعية ضد التعدين غير الشرعي والبحث عن حلول مبتكرة للاستغلال والمعالجة التقليدية لمناجم الذهب.
اعتراف متأخر
لم يحدد الوزير الأول الإطار الزمني لبدء اتخاذ هذه التدابير لمواجهة المخاطر البيئية والصحية للتعدين الأهلي الذي وصل إنتاجه اليومي حوالي 45 كيلوغرام من الذهب، وهو رقم كبير يفوق ما تنتجه الشركات الكبرى العاملة في مجال التنقيب عن الذهب في موريتانيا.
في هذا السياق يقول الناشط البيئي في مدينة ازويرات سيد أحمد ولد عمر، إن حديث الوزير الأول عن المخاطر التي يثيرها التعدين الأهلي جاء "متأخرا"، مؤكدا أن هذا النشاط دمر البيئة وصحة المواطنين خاصة في مدينته.
ويشير إلى أن التعدين الأهلي إن كان انعش اقتصاد مدن الشمال وحرك العجلة فيها، إلا أنهم دفعوا فاتورة باهظة الثمن.
ويؤكد سيد أحمد في تصريح لمنصة "المشهد"، أن المنقبين عن الذهب يستخدمون مواد كيميائية أضرارها كانت كبيرة أدت إلى تلويث البيئة.
أما الخبير البيئي محمد ولد اتقانه يرى أن خطوة الحكومة التي تحدث عنها الوزير الأول كان يجب أن تتخذ مبكرا مع السماح بالتعدين الأهلي.
ويقول ولد اتقانه لمنصة "المشهد"، أن انشطة التعدين الأهلي أدت إلى تلوث الهواء الناتج عن المواد الكيميائية التي يستعملونها، مؤكدا أن هذه المواد ضارة بصحة السكان المحليين في ولايتي تيرس الزمور وانشيري.
ملف حساس
وإن كانت الحكومة الموريتانية جادة في فرض تدابير جديدة على نشاط التعدين الأهلي، فإنها ستكون حذرة في تعامل مع ملف "حساس" خلق أكثر من 120 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة، وساهم في حماية الاقتصاد من الانهيار في السنوات الماضية.
وهذا ما أكده الوزير الأول أمام البرلمان، إذ شدد على أن نشاط التعدين الأهلي يلعب دورا مهما في امتصاص البطالة.
ويستبعد الصحفي حسن ولد ديدي أن تتوجه الحكومة إلى سحب رخص التنقيب عن الذهب، وإغلاق مناجم التنقيب عن الذهب.
ويقول ولد ديدي في تصريح لمنصة "المشهد"، أن الحكومة تعي أهمية هذا القطاع على الاقتصاد ودوره في تشغيل الشباب، لذلك "لا يمكنها أن تتوجه إلى حظره".
ويوضح ولد ديدي أن الدولة أنشأت شركة خاصة بالتعدين الأهلي تنظم هذا القطاع ونجحت إلى حد كبير بضبطه وبمراقبته.
معايير جديدة للتنقيب
يشير ولد ديدي أن من بين التدابير التي يمكن اتخاذها تشديد الرقابة وعدم التهاون مع الأفراد والشركات التي تستخدم المواد الكيميائية الضارة بالبيئة أو التربة.
ويتابع: "ربما لن تتسامح الدولة مع الأفراد أو الشركات التي تخرق القوانين، قد تفرض عليهم أقسى عقوبة وهي سحب رخص التنقيب منها".
ويتفق الخبير البيئي محمد ولد اتقانه مع هذا التوجه، ويتوقع أن تقوم الحكومة بفرض معايير جديدة للتنقيب، وذلك للحد من المخاطر البيئية.
ويقول ولد اتقانه أن الحكومة لا يمكنها أن تجازف بحظر التعدين الأهلي، وذلك لأن تداعياته الاجتماعية والاقتصادية كبيرة، مؤكدا أن المطلوب منها "تشديد الرقابة وفرض معايير جديدة للتنقيب تتماشى مع المعايير البيئية المعتمدة عالميا".
ووصل إنتاج موريتانيا من التعدين الأهلي عام 2022 حوالي 35 طنا من الذهب، وتشير الأرقام أن مداخيل الذهب تفوقت على مداخيل البلاد من الأسماك والمعادن الأخرى.
وبحسب الحكومة، فإن إنتاج الذهب كان في حدود 5 آلاف طن سنة 2019، معظمه كان يتم تهريبه دون المرور بالبنك المركزي الذي يعد الجهة الوحيدة التي تشتري ما ينتجه المنقبون.