دعا البابا ليو الـ14 في ختام زيارته إلى بيروت، إلى وقف "الهجمات والأعمال العدائية"، على وقع مخاوف من تصعيد اسرائيل ضرباتها المستمرة على لبنان، بعد أكثر من عام على وقف إطلاق النار الذي أنهى الحرب مع "حزب الله".
الكلمة الأخيرة
وقال البابا في كلمته "أحيي جميع مناطق لبنان التي لم أتمكن من زيارتها: طرابلس والشمال، البقاع والجنوب، الذي يعيش بصورة خاصة حالة من الصراع وعدم الاستقرار. أعانق الجميع وأرسل الى الجميع أمانيَّ بالسلام".
وأضاف "أطلق أيضا نداء من كلّ قلبي: لتتوقف الهجمات والأعمال العدائية. ولا يظنّ أحد بعد الآن أن القتال المسلح يجلب أية فائدة. فالأسلحة تقتل، أما التفاوض والوساطة والحوار فتبني. لنختر جميعا السلام وليكن السلام طريقنا، لا هدفا فقط".
وقال البابا إنه يحمل معه "ألم وعطش" عائلات ضحايا انفجار المرفأ المروّع إلى العدالة، بعد أكثر من 5 سنوات لم تؤد خلالها التحقيقات إلى نتيجة.وأضاف: "أثّرت فيّ زيارتي القصيرة إلى مرفأ بيروت، حيث دمّر الانفجار ليس المكان فحسب، بل حياة الكثيرين"، مضيفا "صلّيت من أجل جميع الضحايا، وأحمل معي الألم والعطش إلى الحقيقة والعدالة للعائلات الكثيرة، ولبلدكم بأكمله".
القداس في بيروت
وكان قال البابا ليو الـ14 للبنانيين في ختام القداس في الواجهة البحرية لبيروت: تمتّعوا بالشجاعة والكنيسة معكم. وأضاف البابا: أدعو مسيحيي لبنان إلى أن يضعوا مستقبلهم أمام الله.
وفي كلمة ألقاها في ختام القداس الذي ترأسه بحضور عشرات الآلاف من المصلين، قال البابا:
- كونوا شهوداً على السلام فالشرق الأوسط بحاجة إلى المصالحة والسلام.
- الشرق الأوسط يحتاج إلى مقاربات جديدة من أجل تخطي الانقسامات ولفتح صفحات جديدة باسم السلام.
- بعض الأحيان تحت وطأة صعوبة الحياة نميل أكثر إلى الاستسلام بدل الشكر، لذلك أدعوكم يا شعب لبنان للمحافظة دائماً على روح الامتنان.
- أصلّي للشرق الأوسط ولكل من يعاني جراء الحروب وأصلّي بشكل خاص للبنان وأطالب المجتمع الدولي مرة أخرى بالعمل على زيادة التواصل والحوار والسلام.
وشدد البابا لاوون الرابع عشر الثلاثاء على أن الشرق الأوسط يحتاج الى "مقاربات جديدة" من أجل تخطي "عقلية الانتقام والعنف" وتجاوز الانقسامات السياسية والدينية، داعيا مسيحيي المشرق الى التحلي بـ"الشجاعة".
وشارك حوالي 150 ألف شخص الثلاثاء في القداس الذي ترأسه البابا ليو الـ14 عند واجهة بيروت البحرية، الحدث الشعبي الأبرز في ختام زيارة حمل خلالها رسالة أمل وسلام إلى البلد الذي أنهكته أزمات متلاحقة.
وحثّ البابا اللبنانيين في عظته على توحيد جهودهم من أجل إيقاظ "حلم لبنان الموحد"، حيث "ينتصر السلام والعدل" بعد الأزمات المتلاحقة التي عصفت بهذا البلد الصغير.
وشقّ البابا طريقه في السيارة البابوية "بابا موبيلي" بين حشود من الكبار والصغار تجمعوا منذ ساعات الصباح الأولى في واجهة بيروت البحرية، هتفوا له ترحيبا ولوّحوا بأعلام لبنان والفاتيكان، ليبادلهم السلام والمباركة.
ونقل المكتب الإعلامي للفاتيكان عن السلطات المحلية، أن عدد المشاركين في القداس المقام في الهواء الطلق، يناهز 150 ألف شخص.
وتوجّه المشاركون في القداس، وبينهم وفود أتت من دول مجاورة كسوريا والعراق والأردن، منذ الفجر الى واجهة بيروت البحرية، حيث فُتحت الابواب عند الخامسة صباحا. واتخذ الجيش اللبناني تدابير مشددة في محيط الموقع وأغلق الطرق المؤدية اليه أمام السيارات.
وفي عظة ألقاها خلال القداس الذي حضره مسؤولون لبنانيون، أشار البابا إلى "المشاكل الكثيرة" التي يعاني منها البلد، معددا من بينها انفجار مرفأ بيروت المروع عام 2020 وعدم الاستقرار السياسي والأزمة الاقتصادية و"عنف وصراعات أعادت إحياء مخاوف قديمة".
وقال "يجب أن يقوم كل واحد بدوره، وعلينا جميعا أن نوحّد جهودنا كي تستعيد هذه الأرض بهاءها".
وأكّد "ليس أمامنا إلا طريق واحد لتحقيق ذلك: أن ننزع السلاح من قلوبنا، ونسقط دروع انغلاقاتنا العرقية والسياسية، ونفتح انتماءاتنا الدينية على اللقاءات المتبادلة، ونوقظ في داخلنا حلم لبنان الموحّد، حيث ينتصر السلام والعدل، ويمكن للجميع فيه أن يعترف بعضهم ببعض إخوة وأخوات".
سلام وأمل
خلال محطات زيارته العديدة إلى لبنان والتي حملت شعار "طوبى لفاعلي السلام"، دعا البابا المسؤولين ورجال الدين والمؤمنين إلى أن يكونوا بناة سلام حقيقيين، وإلى تجاوز الانقسامات والتصدي للعنف والاقصاء. وأكّد إيمانه بقدرة اللبنانيين مسيحيين ومسلمين على "العيش معا" بسلام، وبـ"اندفاع" الشباب القادر على "تغيير مجرى التاريخ".
صلاة صامتة
وقبيل وصوله إلى موقع القداس، أقام البابا صلاة صامتة في مرفأ بيروت أمام نصب ضحايا الانفجار المروع الذي وقع في 4 أغسطس 2020، وأسفر عن مقتل أكثر من 220 شخصا وإصابة الآلاف بجروح، ودمار في العاصمة.
وصافح البابا عددا من أهالي الضحايا الذين استقبلوه بالدموع حاملين صور أحبائهم. وجثا البابا أمام طفل صغير حمل صورة والده في مشهد مؤثر.
ولا تزال عائلات الضحايا تطالب بالعدالة بعد أعوام على الفاجعة.
وعزت السلطات الانفجار إلى تخزين كميات ضخمة من نيترات الأمونيوم داخل المرفأ من دون إجراءات وقاية إثر اندلاع حريق لم تُعرف أسبابه. وتبيّن أن العديد من المسؤولين كانوا على دراية بمخاطر تخزينها ولم يحركوا ساكنا.
واستهل البابا اليوم الأخير من زيارته التي بدأها بعد ظهر الأحد، بتفقد مستشفى دير الصليب للأمراض النفسية والعقلية شمال بيروت، حيث استقبله القيمون على الدير والمرضى بالتصفيق والهتاف ونثر الورود البيضاء.
وناشد الحبر الأعظم الراهبات "ألا يفقدن فرح الرسالة" التي يؤدونها "بسبب الظروف الصعبة" لعملهن. وقال "ما نشهده في هذا المكان هو عبرة للجميع.. لا يمكن أن ننسى الضعفاء".
حفاوة بالغة
وحظي البابا لاوون الرابع عشر بحفاوة بالغة في لبنان، حيث أقيمت له بعيد وصوله الأحد مراسم استقبال رسمية وسط حضور سياسي جامع، ووقف الآلاف على جانبي الطرق التي سلكها موكبه للترحيب به، وغالبا تحت المطر.
وشكّل لبنان المحطة الثانية من الجولة الخارجية الأولى للبابا الأميركي، بعد زيارته تركيا حيث شدد على أهمية الحوار والوحدة بين المسيحيين.