"وحشتنا يا محمد.. دائما نتذكرك.. بدعيلك في كل سجدة بصلاتي وبكمّل رسالتك في تربية الأولاد.. وإن شاء الله يطلعوا مثل ما بدك وأحسن".. بهذه الكلمات أحيت زوجة مراسل قناة ومنصة "المشهد" محمد بعلوشة، من على قبره في وسط غزة، بعد عام من مقتله خلال تغطية الحرب في القطاع.
انتهت الحرب في غزة ولكن القصف لم يتوقف. تعود عائلة محمد بعلوشة إليه هنا حيث قبره، في وسط قطاع غزة، حيث بقي بعلوشة مراسلا لقناة ومنصة "المشهد" ورفض المغادرة في أحلك ليالي الحرب في القطاع حتى اُغتيل بقصف مباشر بطائرة مسيرة إسرائيلية.
محمد.. كان قويا وبطلا
قالت زوجة محمد بعلوشة إن "محمد كان إنسانا قويا وبطلا.. وأصبح قصة لها معنى وقدوة لأطفاله الـ4 قبل أن يكون قدوة لأطفال العالم"، مضيفة "الصحفيون يقتدون بمحمد؛ لأنه من الصحفيين القلائل الذين رفضوا النزوح من غزة. وأصبح مراسلا لآخر نفسه من أنفاسه".
تكشف قناة "المشهد" في فيلم وثائقي لها، كيف حمل محمد بعلوشة كاميرته الخاصة، ووثق مجزرة الأطفال الخدّج في مستشفى النصر شمالي القطاع، حيث يظهر صوت بعلوشة وهو يشرح كيف مات هؤلاء الأطفال بعد أن رفض الجيش الإسرائيلي نقلهم ما اضطر الأهالي إلى توديعهم وتركهم يموتون على الأسرّة.
وقت نشر التقرير، قال المدير العام لقناة "المشهد" الإعلامي طوني خليفة في لقاء مع محمد بعلوشة: "اليوم يجب أن تحترس أكثر من أي وقت مضى.. ستصبح هدفا لأن الذي قمت به أزعج كثيرا الإسرائيليين، وكان فضيحة للرأي العام الدولي".
من جانبه، قال رئيس قسم المراسلين في قناة ومنصة "المشهد" رائد الفلاح، إن معظم الصحفيين في غزة أُصيبوا إما بجروح أو نفسيا جراء الاعتداءات الإسرائيلية، لافتا إلى أن محمد تم استهداف أولا بطلق ناري من قناص في قدميه بعد نشر التقرير.
وأضاف "استمر محمد في العمل ولكن في المرة الثانية كانت القاضية"، لافتا إلى أنه كان على تواصل شبه يومي على مدار الساعة مع بعلوشة ولكن عندما انقطع الاتصال به "كان هناك خوف على حياته، ولم نتمكن من إقناعه من مغادرة المنطقة وكان خسارة كبيرة".
مسألة كرامة
يُشير بعلوشة إلى أن سبب رفضه مغادرة القطاع خلال الحرب هي مسألة الكرامة. وقال في رسالة مسجلة لزميله في مكتب عمّان الذي زار القطاع جوّا خلال إسقاط مساعدات إنسانية قادمة من الأردن: "هييجي اليوم اللي أنت تيجي هنا على الأرض.. وتعرف الشعور لما أقولكم إني ما بدي أطلع وأغادر غزة".
وأضاف محمد "الكرامة هي التي تظل.. حتى بين الإنسان ونفسه.. احترامك لذاتك أهم شيء".
من جانبها، تتذكر مراسلة قناة "المشهد" في القدس أحلام عثمان، يوم مقتل محمد بقولها "بعثت له برسالة.. كنت أتمنى أن يكون الخبر غير حقيقي.. بعدها رأيت الصور ووقتها أيقنت أنهم وصلوا إلى هدفهم".
وأشار عثمان إلى أن مصير محمد كان متوقعا ولكن "حجم الألم كان غير متوقع.. رحيله مؤلم جدا.. ورحيل كل صحفي مؤلم. محمد بعلوشة كان له أثر كبير ودافع يجعلنا نواصل الرسالة رغم أي مخاطر".
قصة نضال
بدوره، قال مدير الأخبار في "المشهد" جورج عيد إن "قصة محمد بعلوشة هي قصة نضال وحرية ومثابرة وقضية.. قصة صحفي قرر ألا يخاف أو يتراجع تحت وابل القصف... هناك فرق بين القول والفعل وهو أثبت قوة الكلمة والصورة وما فعله سيبقى بصمة عابرة للتاريخ والظروف".
وأضاف "سنذّكر بعضنا أن هذه القضية (تحقيق الأطفال الخدج) شكلت نقطة مفصلية لما جرى في هذه الحرب"
لمحمد بعلوشة قصة يُكملها أصدقاؤه في القطاع. فمحمد صبح الصحفي في قطاع غزة والذي كان يرافقه في العمل، قال إن "الأمر بالنسبة لي أثار تساؤلات كثيرة. لأننا أنا ومحمد كنا نتبادل الأدوار كثيرا.. كان دائما يشكل حافزا لي للاستمرار ومواصلة الجهد".
في غزة قُتل أكثر من 250 صحفيا أثناء أداء عملهم. تحرك الصحفيون في أغلب عواصم العالم للتنديد باستهداف الصحفيين في قطاع غزة، ولا تزال قضايا قتل الصحفيين عالقة دون إنصاف.
ضريبة المهنة
وعلّق عضو الاتحاد الدولي للصحفيين علي يوسف على ذلك بقوله، إنهم قاموا برفع دعاوى قضائية ضد إسرائيل بسبب استهداف الصحفيين لافتا إلى أن الولايات المتحدة عرقلت الجهود بعد البدء في التحقيق، وفرضت عقوبات على قضاة المحكمة أنفسهم.
من جانبه، قال نقيب الصحفيين في قطاع غزة عاهد فراونة، إن حرب غزة هي الحرب الأكثر دموية فلم يسبق أن قُتل كل هذا العدد من الصحفيين في حرب.
وأضاف "خلال الحرب قتل 250 صحفيا بالإضافة إلى نحو 600 من أفراد أسرهم؛ لأن إسرائيل كانت تستهدف بعض الصحفيين في منازلهم وفي خيام الإيواء".
رفع بعلوشة سقف التحدي لقول الحقيقة في وقت الحرب. ولكن ما تزال حياة الصحفيين مهددة بالموت في القطاع.
قال بعلوشة: أقفوا اغتيال الصحافة الحرة، فالصحافة ليست جريمة.
وحينما أُصيب قبل اغتياله، قال "إن هذه ضريبة المهنة .. نحن خُلقنا هنا ولن نغفر أو نسامح أي شخص شارك في الإبادة التي تحصل للمواطنين في القطاع".
لكن في يوم 14 ديسمبر 2024 كان محمد بعلوشة هو الخبر بعد أن استهدفته مسيّرة بشكل مباشر في القطاع.