بالتزامن مع ذكرى هجمات 7 أكتوبر التي باغتت بها حركة "حماس" إسرائيل، فإنّ تبعات الحرب الممتدة لنحو عامين، شهدت خلالهما غزة دمارًا غير مسبوق، طال معظم جوانب الحياة والبنية التحتية، الأمر الذي حدا بمراقبين تحدثوا لـ"المشهد"، أن يؤكدوا على "الرهانات الفاشلة" لمسارات "التصعيد" وتوسيع دائرة الصراع، خصوصًا في ظل الانقسام الفلسطيني - الفلسطيني.
ذكرى هجوم 7 أكتوبر
وتشير المصادر إلى "الأثمان الفادحة" بفعل "غياب أو تغييب إمكانات التفاوض والسلام". وقد دُمّر أو تضرّر أكثر من 190 ألف مبنى، منها 102,067 مبنًى مدمَّرًا على نحو كامل، أي ضعف حجم الدمار الموثق في العام الأول من بدء الحرب، وفق تقرير للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، اليوم الاثنين.
ولئن تُقدّر الخسائر المادية المباشرة بنحو 30 مليار دولار، فإنّ الكلفة الإجمالية لإعادة الإعمار والتعافي تصل لنحو 53 مليار دولار، وفق تقييم الأضرار السريع الصادر عن البنك الدولي والأمم المتحدة في فبراير الماضي. أما القطاع الزراعي فكان من أكثر القطاعات تضررًا، حيث دُمّر أكثر من 80% من الأراضي الزراعية، وفق منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة.
في حديث لمنصة "المشهد"، يوضح المحلل السياسي الفلسطيني زيد الأيوبي، أنّ كل مسار اختاره الفلسطينيون نحو "السلام وفتح سبل التفاوض"، تبعه مسار آمن كما في اتفاق أوسلو، وذلك بخلاف مسارات أخرى بعثت بـ"خسائر غير محدودة" و"ولادة قسرية للعنف"، كما في هجمات 7 أكتوبر.
أوسلو والفرص الضائعة
رغم كل الانتقادات التي رافقت الإعلان عن أوسلو، ووصف بـ"المشؤوم" من قبل "حماس" وآخرين، فقد كان أول اعتراف متبادل بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، وتحقيق مكاسب اقتصادية وأمنية وسياسية لملمت هزائم وخسائر عديدة وفق الأيوبي.
ويردف: "ترتب على الاتفاق قيام السلطة الوطنية الفلسطينية ككيان إداري وسياسي على أرض فلسطينية للمرة الأولى منذ تاريخ النكبة عام 1948، وكذلك تحسُّن اقتصادي نسبي في سنواته الأولى، حيث تدفقت المساعدات وارتفع نصيب الفرد من الدخل مقارنةً بسنوات الانتفاضة الأولى، إذ إنّ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، تضاعف من 1,327 دولارًا عام 1994 إلى نحو 1,528 دولارًا عام 1998، وفق الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني".
والبنك الدولي في تقريره عام 2002، يشير إلى أنّ الناتج المحلي للفرد، ارتفع خلال عامي 1994 و1999 بمتوسط نمو سنوي يقارب 6%، مستفيدًا من تحويلات المانحين وحرية حركة نسبية، وفق ما يذكر المحلل السياسي الفلسطيني، مشيرًا إلى أنه مع اندلاع الانتفاضة الثانية انكمش الاقتصاد بنسبة نحو 35% وارتفعت البطالة إلى أكثر من 40% في غزة والضفة.
ويؤكد الأيوبي أنه مع تصاعد الهجمات الصاروخية في الانتفاضة الثانية، كما في كل حراك مسلح بعيدًا عن التوافق الفلسطيني_ الفلسطيني، تتضاعف الخسائر التي تطال البنية التحتية مرورًا بانكماش اقتصادي حاد تتجاوز خسائره مليارات الدولارات، وحتى انزلاق المشهد إلى عسكرة تمنح إسرائيل ذريعة لتوسيع الاستيطان.
ويقول: "وفي كل مرة تُرجَّح فيها كفّة السلاح على السياسة، يتراجع الحلم الفلسطيني بدولة مستقلة، بينما في كل مرة يُفتح فيها باب للتفاوض تظهر فرصة حقيقية لبناء مؤسسات، ولتثبيت هوية معترف بها دوليًا".
تشرذم البيت الفلسطيني
من جهته، قال أستاذ العلوم السياسية بجامعة القدس والقيادي بحركة فتح، أيمن الرقب، إنّ العلاقة الفلسطينية الفلسطينية لا تزال تعاني من انقسامات عميقة، مشيرًا إلى أنّ "البيت الفلسطيني" لم يُوحَّد بعد، رغم الفرص التي أُتيحت لذلك، أبرزها المبادرة المصرية في مارس 2005 لتشكيل إطار موقت، يضمّ جميع الفصائل بما فيها حركة "حماس" تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية، إلا أنّ ذلك لم يتحقق، ويتحمّل الجميع جزءًا من المسؤولية.
وأضاف الرقب لـ"المشهد"، أنّ حركة "حماس" منذ استحوذت على النظام السياسي في قطاع غزة وحملت السلاح، تسببت في "حالة تشرذم قصوى"، لافتًا إلى أنّ الحركة رفضت اتفاق أوسلو في البداية، وبعدها شاركت في الانتخابات التي كانت أصلًا تحت مظلة أوسلو، ما يعكس تناقضاتها وبراغماتيتها وانعكاس ذلك على وضع القضية الفلسطينية وتأزُّمها.
ويردف: "الرئيس الراحل ياسر عرفات حاول معالجة ملف السلاح ضمن رؤية توحيدية، لكنه اصطدم برفض حركة "حماس" لذلك، وهو ما عمّق حالة الانقسام". فحركة "حماس" رفضت أن تدخل انتخابات 1995، وبعدها وافقت على دخول انتخابات 2005، لأنّ "وعودًا سياسية"، كانت لديها من بعض الدول والمحاور الإقليمية، ولكن في النهاية الشعب الفلسطيني هو الذي دفع الثمن، نتيجة الحصار وما إلى ذلك.
واليوم، عندما نقارن بين ما حدث في السابق وبين أحداث 7 أكتوبر، فسوف نكتشف غياب "إستراتيجية فلسطينية"، حيث إنّ ما تبع 7 أكتوبر من خطف الأطفال والنساء، واستمرار احتجازهم بغزة، تسبب في الوضع الكارثي القائم والمستمر للحظة، وفق أستاذ العلوم السياسية بجامعة القدس والقيادي بحركة فتح، مؤكدًا عدم تقدير "حماس" حجم الردّ الإسرائيلي المتوقع بعد مقتل هذا العدد من الإسرائيليين.
وختم المحلل السياسي تصريحه بالقول: "اليوم، أمامنا فرصة حقيقية لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني، عبر قبول حركة "حماس" العودة إلى الإطار الوطني العام، ولكن بتوحيد السلاح والقرار السياسي، والتخلي عن نمطيتها، وذلك بغية الخروج من حالة الانقسام وبناء نموذج فلسطيني موحّد بأفكار وإستراتيجية واحدة".