في مقال مشترك بصحيفة "فورين أفيرز" لوزير الخارجية الإيراني الأسبق محمد جواد ظريف وطالب إيراني في جامعة طهران يدرس بكلية دراسات العالم أمير بارسا غرمسيري، فقد خُصص الجانب الأكبر فيه على الملف النووي الإيراني والذي يشكل حجر زاوية في علاقة النظام الإيراني بالولايات المتحدة والمجتمع الدولي وكذلك إسرائيل. فيما يتزامن المقال مع لحظة تتصاعد فيها التكهنات بشأن احتمالية حدوث مواجهة خشنة وعسكرية بين طهران وإسرائيل، مرة أخرى.
التسوية السياسية
وفي مقال "فورين أفيرز"، ثمّة إشارات واضحة إلى إمكانية الوصول إلى مرحلة أو أفق من التسوية السياسية بخصوص الملف النووي بعيدًا عن "أمننة" القضية، وتجاوز ما سعت إليه واشنطن وتل أبيب على مدى عقدين كاملين، بشأن تكريس سردية تعتبر إيران خطرًا وجوديًا لا على محيطها الإقليمي فحسب، بل على النظام الدولي بالكلية. وقد أفضى هذا التوصيف إلى سلسلة متواصلة من الإدانات والعقوبات الاقتصادية الخانقة، وتهديدات باستخدام القوة العسكرية، وصولًا إلى تنفيذ عمليات عسكرية استهدفت الأراضي الإيرانية، في إشارة غير مباشرة لحرب الـ12 يومًا في يونيو الماضي، وقد جرت في بعض الأحيان بالتوازي مع مسارات تفاوضية بين طهران وواشنطن.
في مواجهة هذا الضغط، اضطرت إيران إلى إعادة توجيه مواردها وأولوياتها نحو المجال الدفاعي، بينما رفعت مستويات تخصيب اليورانيوم في سياق تحدٍّ مباشر، لتأكيد أنها لن تخضع للابتزاز أو العقوبات، وفق "فورين أفيرز". غير أنّ هذه "الأمننة" سرعان ما انعكست داخليًا، حيث تبنت الدولة مقاربات أكثر تشددًا في التعامل مع التحديات الاجتماعية، تمثلت في تشديد القيود والضوابط، بدعوى مواجهة تهديدات أمنية متصاعدة.
كسر الحلقة الأمنية
إنّ كسر هذه الحلقة الأمنية ليس مهمة سهلة، وفق ما ورد في مقال المجلة الأميركية، حيث يتعين على إيران إعادة ضبط خطابها وأولوياتها، من خلال تخفيف التركيز الدائم والمتواصل على القوة الدفاعية والعسكرية، التي كثيرًا ما تُضخم احتمالات التهديد، لصالح مقاربات قائمة على التعاون والتنسيق، خصوصًا على المستوى الإقليمي. ويشمل ذلك فتح حوار صريح وبنّاء مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية لتبديد الهواجس، واستكشاف سبل استئناف التعاون، إلى جانب الانخراط مع الولايات المتحدة في إدارة الخلافات، بداية من الملف النووي وحتى العقوبات.
فيما يرى ظريف في المقال المشترك، أنه لولا التصعيد الإسرائيلي في حرب الـ12 يومًا، لكانت إيران واصلت تعاونها الواسع مع الوكالة في إطار اتفاق 2015، وركزت على مشاريع التعاون الإقليمي التي تبنتها منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي.
إذ ساهم التصعيد العسكري في ترسيخ الوضع المتشدد محليًا وذلك بفعل الحصار المتواصل، بما أفضي كما هو الحال في الأوضاع المماثلة والتقليدية، إلى تشديد القيود على المجال العام بما في ذلك الانترنت ومنصات التواصل الاجتماعي. ورغم أنّ هذه الإجراءات، وفق ما جاء في مقال "فورين أفيرز"، لا تعالج حالة التململ والامتعاض داخل المجتمع نتيجة الأزمات الاقتصادية وتآكل الثقة بين الدولة والمجتمع، إلا أنها تصبح خيارًا تلقائيًا في ظل شعور النظام الدائم بوجود تهديد وجودي.
تغيير سلوك إيران
يرى الكاتبان أنّ الضغوط لم تنجح في تغيير سلوك إيران، كما أنّ السياسات الدفاعية الإيرانية لم تسهم في تقليص التهديدات المتخيلة. بل إنّ هذا الوضع بالإجمال الذي يترتب عليه اعتماد إجراءات دفاعية من قبل النظام الإيراني يتحول إلى مادة يتم توظيفها بغرض تعزيز الخطاب العدائي ضدها، كما حدث مع تصريحات إيرانية سابقة عن النفوذ الإقليمي، استُخدمت لتبرير مزيد من الضغط.
ويعاود المقال التذكير بتوقيع الاتفاق النووي في عام 2015، مشيرًا إلى إمكانية أن يفضي الحوار والتفاوض إلى حل سياسي وتسوية هادئة، الأمر الذي غيّر ولو موقتًا موقع إيران في النظام الدولي، وهو ما كرسه قرار مجلس الأمن رقم 2231.
ويخلص الكاتبان إلى أنّ كسر الحلقة الأمنية التي تطوِّق العلاقة مع إيران يبدأ من الداخل، عبر بناء توافق وطني واسع، ثم إصلاح آليات إدارة الدولة وصنع القرار وتعزيز الشفافية، الأمر الذي يمتد بتداعياته إلى الإقليم والعالم، من خلال دبلوماسية نشطة، إلى جانب ذلك وجود خطاب أقل استفزازًا تجاه إيران، ومن ثم، الانخراط السياسي العقلاني مع الخصوم، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة، على قاعدة إدارة الخلاف بدلًا من أوهام الصراع.