على مدى 3 أعوام، أعادت الحرب في أوكرانيا ترسيخ إحدى الحقائق الإستراتيجية في السياسية، ومفادها أنّ الحروب لا تُحسم بالوعود والبيانات السياسية، إنما بالقدرة على الإنتاج والقوة الاقتصادية، حيث إنّ أنظمة الدفاع الجوي والطائرات المسيّرة وسلاسل الإمداد وأمن الطاقة، هي عناصر تفوق في أهميتها الخطاب الدبلوماسي وكذلك التحالفات، وفق تقرير لمجلة "ناشيونال إنترست".
مسرح الصراع
غير أنّ الواقع يؤشر إلى خلاف ذلك، حيث ما زالت أوروبا بوصفها المسرح الرئيس للصراع، تعتمد على اقتصاد دفاعي يقوم على الإنتاج المحدود ولا يملك مقومات البقاء تحت تأثير حروب الاستنزاف الطويلة.
كما جاء صدور إستراتيجية الأمن القومي الأميركية التي أعلن عنها دونالد ترامب، لتضيف صدمة ثانية إلى هذا الواقع، إذ كشفت الوثيقة عن تراجع واشنطن عن التزاماتها الأمنية بخلاف السابق. من ثم، تجد أوروبا نفسها أمام لحظة حساب مؤجلة، حيث لم يعد ممكنًا افتراض أنّ الولايات المتحدة ستتكفل إلى الأبد باقتصاديات الدفاع الأوروبي.
والقاعدة الصناعية الدفاعية الأوروبية جرى تكييفها لعقود على أساس الكفاءة الاقتصادية، لا القدرة على التوسع السريع. فخطوط الإنتاج محدودة ومرتبطة بالحدود الوطنية، كما هاجرت الأيدي العاملة الماهرة إلى قطاعات مدنية. وزادت تكاليف الطاقة والتعقيدات التنظيمية من تآكل الصناعة الثقيلة. ونتيجة لذلك، لا تزال أوروبا، رغم مرور ثلاث سنوات على حرب على حدودها المباشرة، عاجزة عن تعويض الخسائر الميدانية بسرعة كافية.
نقص التمويل
ولا تكمن المشكلة الأساسية في نقص التمويل، إذ إنّ الإنفاق الدفاعي الأوروبي في تصاعد ملحوظ، بل في ضعف القدرة الإنتاجية. فغياب العقود طويلة الأمد، وضمانات الطاقة، وسلاسل التوريد الآمنة، والكوادر المدربة، يجعل ضخ الأموال يتحول في كثير من الأحيان إلى عبء مالي بدلًا من إنتاج فعلي. أما اقتصاد الحرب، فيعني تبنّي وضع صناعي دائم قادر على الإنتاج العسكري المستدام في ظروف الأزمات، مع جاهزية مسبّقة للتوسع.
كما تمتد التبعية للولايات المتحدة وبما يفاقم المعضلات في أوروبا، إلى البنية المالية والرقمية، حيث أصبحت أنظمة الدفع ومراكز البيانات أدوات قوة لا تقل شأنًا عن الأسلحة، والتي تتحول في أوقات الأزمات إلى نقاط ضغط إستراتيجية. ومن هنا، فإنّ اقتصاد الحرب الحديث لا يقتصر على الدبابات والذخيرة، بل يشمل المرونة المالية، والأمن الرقمي، واستقلال الطاقة.
والنتيجة أنّ أوروبا تتقن شراء الأسلحة المتطورة أكثر مما تتقن إنتاجها بكميات كبيرة. وفي حال نشوب صراع طويل الأمد، يتحول هذا الخلل إلى نقطة ضعف هيكلية. أما اقتصاد الحرب الحقيقي، فيقتضي إعطاء الأولوية للإنتاج المستمر بدل المشتريات الظرفية، وتوحيد الأنظمة، ودمج الصناعة الدفاعية مع سياسات الابتكار والطاقة والنقل وسوق العمل.