تبدو تلال جنوب الخليل قديمةً وثابتةً كعادتها، لكن قد يكون هناك تغييرٌ هائلٌ يلوح في الأفق. ففيما تحدثت تقارير صحفية عن تمرّد لعشائرها على السلطة الفلسطينية وتقديمها لمبادرة تعلن فيها رغبتها التطبيع مع إسرائيل والاعتراف بها وإقامة "إمارة الخليل"، نفت العشائر ذلك، مؤكدة أن كل ما نشر هو تضليل وادعاءات زائفة.
عشائر الخليل تتمرّد
القضية فجّرتها صحيفة "وول ستريت جورنال" صباح الأحد معلنة استعداد 6 من كبار شيوخ العشائر الفلسطينية من منطقة الخليل، بقيادة الشيخ وديع الجعبري (المعروف أيضًا باسم أبو سند)، للانفصال عن السلطة الفلسطينية وتوقيع اتفاقية جديدة مع إسرائيل على غرار اتفاقيات إبراهيم، تحت مسمى "إمارات الخليل"، كشفت الصحيفة عن تفاصيل لقائها مؤخرًا بالجعبري في خيمته الاحتفالية.
كما كُشف النقاب عن أن 13 شيخًا آخرين من منطقة الخليل يخططون أيضًا لمغادرة السلطة الفلسطينية.
في هذا اللقاء، صرح الشيخ بأنه يسيطر على حوالي 78% من سكان مدينة الخليل الكبرى، وهو ما قد يُترجم إلى 700 ألف فلسطيني أو أكثر. وكانت الفرضية البسيطة والجذرية التي طرحها هي استعداده، إلى جانب الشيوخ الآخرين للاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية وإنهاء جميع المطالبات في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.
"إمارات الخليل"
سيفعل ذلك بهدف تشكيل 6 "إمارات" فلسطينية أخرى تضم مناطق بيت لحم، وأريحا، ونابلس، وطولكرم، وجنين، وقلقيلية، وأخيرًا رام الله.
صرّح الشيخ الجعبري لـ"صحيفة واشنطن بوست" بأنه مستعد لإجراء هذا التحول الجذري مقابل دعم إسرائيل في إخراج السلطة الفلسطينية من المنطقة، واستعادة تصاريح العمل التي عُلِّقت بعد 7 أكتوبر2023، وبناء مناطق عمل صناعية إسرائيلية فلسطينية مشتركة جديدة، وبعض أجزاء المنطقة "ج" من اتفاقيات أوسلو.
عداء السلطة الفلسطينية
ووفقا للصحيفة، فلطالما كرهت عائلة الجعبري السلطة الفلسطينية لعقود، ومنذ أن أحرقت مركز شرطة تابعًا لها واحتجزت 34 ضابطًا من ضباطها أسرى عام 2007 انتقامًا لمقتل أحد أفراد عائلة الجعبري، قللت بالفعل من تدخلها في شؤون الخليل.
عقد والد الجعبري اجتماعات عديدة مع مسؤولين إسرائيليين، في محاولة للمضي قدمًا في مبادرات التعايش التي لا تشمل السلطة الفلسطينية.
لكن ما يميز هذه المبادرة الأخيرة هو أنها حدثت في فترة ما بعد اتفاقيات إبراهيم وما بعد 7 أكتوبر.
معارضة إسرائيلية
يعارض الجيش الإسرائيلي وجهاز الأمن العام (الشاباك) المبادرة. في حين أن جهاز الأمن العام غير راضٍ عن حرب السلطة الفلسطينية على الفصائل المسلحة الفلسطينية، إلا أنه لا يزال يعتبرها الجهة الوحيدة القادرة على مساعدة إسرائيل فعليًا في كبح جماحها في جميع أنحاء الضفة الغربية.
يقدر بعض المسؤولين الإسرائيليين أن السلطة الفلسطينية لديها ما يصل إلى 70 ألف جندي - ضابط، بما في ذلك مجموعة أصغر من قوات الكوماندوز - وهي جهة يصعب استبدالها.
ويقدر المسؤولون حاليًا وجود حوالي 4000 ضابط من السلطة الفلسطينية في الخليل، إلى جانب 200 جندي كوماندوز.
على مر السنين، ورغم التهديدات بقطع العلاقات، شاركت السلطة الفلسطينية معلومات استخباراتية مع الشاباك، مما ساعدهم على القبض على بعض المقاتلين الفلسطينيين على الأقل، وخصوصا من عناصر "حماس".
أحيانًا يكون دافع السلطة الفلسطينية لمشاركة هذه المعلومات الاستخباراتية هو إضعاف معارضة "حماس"، لكن إسرائيل لا تهتم حقًا بدوافعها إذا كانت النتيجة هي القبض على من تصفهم بالإرهابيين.
يبدي الجيش الإسرائيلي معارضة مماثلة للفكرة، ويعتمد أيضًا على السلطة الفلسطينية في التعاون الأمني.
تصريحات الشيخ الجعبري
وصرح الجعبري لصحيفة "واشنطن بوست" أنه إذا دعمته إسرائيل، فسيتمكن من هزيمة السلطة الفلسطينية في الخليل في ساعات أو أيام من دون إراقة دماء كثيرة، لأن العديد من ضباطها هم في الواقع من جماعته.
وقال إن كلمته في منطقته بالخليل هي القانون، ووعد بأنه قادر على إحلال الهدوء التام والشامل في منطقة كانت قبل عقد من الزمان من بين أسوأ المناطق وأكثرها فوضى.
وتتضمن الصفقة التي تفاوض عليها الجعبري مع بركات استقدام ألف عامل فلسطيني جديد من الخليل إلى إسرائيل، يليهم 5 آلاف عامل بعد فترة تجريبية.
لكن هذه الأعداد ضئيلة مقارنةً بأعداد العمال الفلسطينيين في إسرائيل قبل 7 أكتوبر، والتي بلغت 210 آلاف عامل.
أصر الجعبري على أن بركات وإسرائيل سيمنحانه 50 ألف عامل من الخليل وحدها خلال فترة قصيرة.
أما ترتيبات المنطقة "ج" فهي أكثر إثارة للشكوك.
من المرجح أن يحصل الجعبري على أجزاء جديدة من المنطقة "ج"، لكن من المرجح أيضًا أن يحاول المسؤولون الإسرائيليون استغلال الاتفاقيات الجديدة للاستيلاء على مساحات أكبر لإسرائيل.
خلاف الجعبري والسلطة الفلسطينية
لماذا يُقدّم الجعبري مثل هذه التنازلات، التي لن تُقدّمها السلطة الفلسطينية أبدًا، وسيُعارضها جزء كبير من العالم؟
من وجهة نظر الجعبري، كانت السلطة الفلسطينية قوة أجنبية قادمة من تونس، عادت إلى الضفة الغربية بعد أكثر من 20 عامًا من المنفى، وسحقت المشيخات التقليدية التي لطالما أدارت جميع الشؤون الفلسطينية في المنطقة.
صرّح لصحيفة "واشنطن بوست" أن جميع الخدمات المحلية الأساسية لا تزال تُدار من قِبل مجلس شيوخه، وأن كل ما تفعله السلطة الفلسطينية هو جمع الضرائب، وهي طريقة للاستيلاء على الأموال المحلّية لتلبية احتياجاتها "الأجنبية" الفاسدة.
بعبارة أخرى، يرى الجعبري أن السلطة الفلسطينية مجرد طفيلي، ويريد استعادة السيطرة الكاملة على المنطقة، التي يقول هو ومجلسه إنها كانت قائمة منذ مئات السنين قبل اتفاقيات أوسلو. كذلك، بعد 7 أكتوبر، يعتقد ببساطة أن فكرة الدولة الفلسطينية التي سادت قبل الحرب قد اندثرت، وأن الإسرائيليين لن يقبلوا بها أبدًا.
ليس من الواضح ما إذا كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب سيُلقي بثقله في هذه القضية ويحاول التأثير على العالم لقبولها، خصوصا إذا لم تُحسم إسرائيل موقفها بعد.
ويتحمس بعض عناصر اليمين الإسرائيلي للمبادرة لأنها ستسمح لهم بالاحتفاظ بالقدس والاستيلاء على أجزاء أكبر من المنطقة "ج"، بينما سيدعمها الشيوخ المحليون أيضًا من أجل إبعاد السلطة الفلسطينية عنهم.