بعد بدء سريان وقف إطلاق النار في غزة، استهدفت حركة "حماس" مجموعات مسلحة عدّة معادية لها نشأت معظمها خلال الحرب، ويُشتبه بأنها تنسّق أنشطتها مع الجيش الإسرائيلي، بهدف التأكيد على أنها لا تزال تملك السيطرة والقرار في القطاع المدمّر.
ويقول خبراء وشهود لوكالة فرانس برس إن بعض هذه المجموعات ضالع في أنشطة إجرامية، في حين تتكوّن مجموعات أخرى من أفراد من عائلات وعشائر نافذة تاريخيا في غزة، وبعضها يجمع بين العنصرين.
ونشرت "حماس"، ذراعها العسكرية "كتائب القسام"، إلى جانب قوتين أمنيتين "سهم" و"رداع" التي أنشأتها مؤخرا، في المناطق التي انسحبت منها القوات الإسرائيلية، بهدف معلن هو التصدّي "للخارجين عن القانون والعملاء".
4 مجموعات رئيسية
تعمل مجموعات مسلحة عدّة في غزة بحماية إسرائيلية وفق بعض التقارير، وهي متهمة بنهب قوافل مساعدات داخل القطاع الذي لا يزال يعاني من نقص حاد في المواد الأساسية في ظل الحصار الإسرائيلي المتواصل.
وأبرز تلك المجموعات "القوات الشعبية" بقيادة ياسر أبو شباب الذي أعلن في بيانات وفيديو بثه عبر وسائل التواصل الاجتماعي أن مجموعته تهدف إلى محاربة "حماس" وإقصائها عن حكم غزة.
تتشكّل مجموعة أبو شباب من مئات العناصر المسلحة وتنشط في جنوب شرق رفح، قرب معبر كرم أبو سالم مع إسرائيل الذي تدخل منه معظم قوافل المساعدات.
وبحسب الباحث الفلسطيني في منظمة "أكليد" المتخصصة في رصد ومتابعة النزاعات ناصر خضور، ظهرت في القطاع 3 مجموعات مماثلة أخرى على الأقلّ.
ويوضح أن مجموعة يقودها رامي حلس تنشط في حي الشجاعية في شرق مدينة غزة، وأخرى يقودها أشرف المنسي تنشط في الشمال أيضا، والمجموعة الـ3 يقودها حسام الأسطل تعمل في خان يونس.
ويضيف "يبدو أن هذه المجموعات الـ4 تعمل بشكل رئيسي في المناطق التي لا تزال تحت السيطرة الإسرائيلية"، في إشارة إلى المناطق الواقعة وراء "الخط الأصفر" الذي تتمركز خلفه القوات الإسرائيلية بموجب اتفاق وقف إطلاق النار مع "حماس".
وتقول الباحثة في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية تهاني مصطفى لوكالة فرانس برس إنه يُنظر إلى هذه المجموعات "على أن عناصرها من اللصوص"، وتتهمها "حماس" بالتعامل مع إسرائيل.
وتتفق مع خضور على أنها ضعيفة، وبالتالي تشكّل مصدر إزعاج لـ "حماس" أكثر منها منافسا جديا.
كما تشير إلى أن هذه المجموعات لا تحظى بشرعية بين الغزيين، مضيفة أن الشرعية التمثيلية تتأتى "من مقاومة إسرائيل ومن الأطراف التقليدية مثل فتح وحماس والجهاد الإسلامي أو الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين".
تصف "حماس" معظم الجماعات المسلحة غير المرتبطة بالفصائل الفلسطينية التقليدية بأنها "خارجة عن القانون".
ومؤخرا، داهمت قوة "رادع" التي أسستها "حماس" قبل أشهر معقلا لأنصار أبو شباب في رفح، بحسب مصدر مقرب من القوة أكد أن عناصرها لم يتجاوزوا "الخط الأصفر".
اتهامات بانتهاك الاتفاق
وقضى عسكريان إسرائيليان في المنطقة نفسها أثناء هذه العملية، واتهمت إسرائيل "حماس" بانتهاك وقف إطلاق النار ونفّذت غارات جوية أسفرت عن مقتل أكثر من 50 فلسطينيا في أنحاء غزة، بحسب وزارة الصحة في القطاع، قبل أن تعلن مجددا التزامها بالهدنة.
بعد ساعات من التصعيد، أصدرت "كتائب القسام" بيانا نفت فيه أي صلة أو علم لها بما جرى في رفح.
وأعلنت قوة "رادع" لاحقا مسؤوليتها عن عملية أخرى في رفح الثلاثاء، مؤكدة اعتقال واستجواب أكثر من 100 من عناصر مجموعة ياسر أبو شباب في جنوب القطاع ورامي حلس في غزة، وتسليم معظمهم لأجهزة الأمن التابعة لحكومة "حماس".
وأشار مصدر مقرب من الوحدة أنه تمّت السيطرة على أكثر من 300 قطعة سلاح بعضها "أسلحة متطورة حصلوا عليها من الجيش الإسرائيلي".
وأكد المصدر أن "رادع" نفّذت منذ سريان اتفاق وقف النار أكثر من 20 هجوما على معاقل هذه المجموعات.
ورصدت "أكليد" 15 حادثة عنف مرتبطة بـ"رادع" منذ يونيو 2025.
أما وحدة "سهم" التي أنشأتها "حماس" عام 2024، فقد رصدت المنظمة مشاركتها في حوالي 130 حادثة أسفرت عن مقتل 160 فلسطينيا.
استهداف اللصوص
ويلفت خضور إلى أن "سهم" تستهدف في المقام الأول اللصوص، سواء كانوا أفرادا أو مجموعات منظمة، وهي معروفة بقسوتها وتنفيذ إعدامات بإجراءات موجزة.
ويقول: "في أغلب الحالات يطلقون النار أو يكسرون أرجل اللصوص أو المتعاونين مع إسرائيل أو يضربونهم بقضبان حديدية".
ويشير إلى أن 27% فقط من أنشطة وحدة "سهم" استهدفت مجموعات منظمة أو عائلات، أما الباقي فشمل مدنيين متهمين بالنهب أو التعاون مع القوات الإسرائيلية.
بالإضافة إلى المجموعات المسلحة الـ4 الرئيسية، تشكلت قوات من عائلات وعشائر غزوية.
وبحسب الباحث في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية محمد شحادة، فإن هذه العشائر تعدّ مئات المقاتلين ومخزونات كبيرة من الأسلحة، بعد أن شاركت في التهريب وفي أنشطة إجرامية تتصل بنهب المساعدات طوال فترة الحرب.
ونفّذت مؤخرا وحدة "رادع" هجوما مباغتا شارك فيه عناصر من أجهزة الأمن والشرطة في حي الصبرة في غرب مدينة غزة، استهدف مجموعة مسلحة من عائلة دغمش المعروفة في القطاع.
واتهمت "حماس" مسلحين منتمين للعائلة بقتل عنصرين من "كتائب القسام"، أحدهما ابن القيادي البارز في الحركة باسم نعيم.
واعتقل في الهجوم عشرات الأفراد من العائلة، ثم تم إعدام 8 رجال (تتراوح أعمارهم بين 22 و34 عاما) رميا بالرصاص أمام عشرات المواطنين في مدينة غزة.
"تجاوزات"
ونفت عائلة دغمش أي تعاون مع إسرائيل، وأقرت في بيان بأن بعض أفرادها ارتكبوا "تجاوزات"، بدون أن تكشف عنها، غير أنها اتهمت "حماس" باستهداف جميع أفرادها بدون تمييز.
وتفيد تقارير بأن عددا من العائلات في غزة قبلت عروض العفو التي أعلنتها "حماس" مقابل تسليم أسلحتها.
في وقت مبكر من الحرب، اقترحت إسرائيل أن يقوم زعماء العشائر بتشكيل مجلس حاكم ليحل محل "حماس" في غزة، لكن العشائر رفضت الفكرة، وقالت إنها تفتقر إلى الشرعية والقدرة على الحكم.