وسط حراك سياسي عربي، عادت سوريا إلى شغل مقعدها في جامعة الدول العربية، بعد 12 سنة من تعليق عضويتها، في خطوة اتُخذت خلال اجتماع عقده مجلس الجامعة العربية على مستوى وزراء الخارجية، في القاهرة.
لا شك أنّ القرار ليس وليد اليوم، بل تم التحضير له تدريجيا منذ بضعة أشهر، إذ اعتمدت دمشق على تعزيز العلاقات الثنائية مع الدول العربية بدايةً، كونها الخطوة التي ستؤدي حتما إلى عودتها إلى الجامعة العربية، وهو ما حصل بالفعل.
أثبتت تجربة الأعوام الماضية استحالة عودة الاستقرار إلى المنطقة، من دون حل الأزمة في سوريا، التي تتجاوز تأثيراتها الجغرافيا القريبة منها، لتصل إلى الخليج العربي وحتى الشمال الإفريقي.
عودة مهمة
اتّفق المجتمعون أمس، على حل الأزمة السورية وفق مبدأ "الخطوة مقابل الخطوة"، وبما ينسجم مع قرار مجلس الأمن رقم 2254، بالتوازي مع استمرار الخطوات التي تتيح إيصال المساعدات الإنسانية لكل محتاجيها في سوريا.
ويرى الصحفي والمحلل السياسي السوري جانبلات شكاي أنّ "التلميح ولو شكلا، بعصا مجلس الأمن في قرار المجلس الوزاري العربي، الذي نصّ على ضرورة اتخاذ خطوات عملية وفاعلة، للتدرج لحل الأزمة وفق مبدأ خطوة مقابل خطوة، وبما ينسجم مع القرار الدولي 2254، لن يزعج دمشق هذه المرة".
ويشرح شكاي، الذي يشغل وظيفة مدير تحرير صحيفة "الوطن" السورية، ذلك بقوله، إن "الجديد في البيانات العربية الأخيرة، سواء تلك الصادرة من عمّان بداية الشهر، أو من مجلس الجامعة من القاهرة، تجاه هذا الموضوع، أنها تتحدث عن أنّ الحل السياسي في سوريا، عليه أن يأتي بما ينسجم مع القرار 2254، وليس وفق هذا القرار، كما كانت عليه الحالة في المواقف العربية السابقة".
ويُشير جنبلات إلى أنّ "القرار 2254، صدر عن مجلس الأمن في 18 كانون الاول من عام 2015، بإجماع من الأعضاء الـ15، أي بموافقة روسيا والصين، وبما يعنيه ضمنا، موافقة دمشق مع بعض التحفّظات، وتحديدا على ما تضمنته مقدمة القرار من فقرات، تحدثت عن أنه ما من حل دائم للأزمة السورية، إلا بتنفيذ بيان جنيف 2012، الذي يشدد بدوره على "إنشاء هيئة حكم انتقالية جامعة، تخوّل سلطات تنفيذية كاملة"، وهو الأمر الذي لطالما اعتبرته دمشق فرضا لأجندات خارجية معدّة سلفا، وتدخلا في الشؤون الداخلية السورية".
ويقول شكاي، إنّ "تراجع العرب عن التشديد على ضرورة التزام دمشق بتنفيذ القرار 2254، والاكتفاء بحل سياسي ينسجم مع هذا القرار، يعني في ما يعنيه، طيّا لمرحلة اسقاط وتغيير النظام السوري".
سبق قرار عودة سوريا إلى الجامعة العربية نشاط دبلوماسي عربي أطلقته الإمارات في الدرجة الأولى، ثم تابعته السعودية، فيما برز الدور الأردني في طرح خارطة الطريق القائمة على مبدأ "الخطوة بخطوة".
لكنّ مصادر خاصة من الجامعة العربية كشفت لمنصة "المشهد"، شريطة عدم الإعلان عن اسمها، عن "رفض قطري ومغربي، وبدرجة أقل، كويتي، لعودة سوريا، حتى الساعات الأخيرة، قبل أن تتراجع الدول المعنية عن موقفها، بعدما لمست إصرارا عربيا في تمرير القرار بالأغلبية، إن لم تكن الموافقة تامة".
مكاسب عدة
لا شك أنّ قرار عودة سوريا، سيشجع المزيد من الدول العربية على الانضمام إلى قطار التطبيع، وكسر العزلة الدبلوماسية المفروضة على دمشق منذ أكثر من عقد من الزمن.
وفي هذا السياق، كشف مصدر في الجامعة العربية، عن اتّفاق وشيك بين كل من دمشق وطرابلس الغرب، على استئناف العلاقات الدبلوماسية المقطوعة بين الطرفين، خلال الأيام القليلة القادمة.
بالإضافة إلى المكاسب السياسية، سيمنح الاحتضان العربي لدمشق وإعادة العلاقات معها، قوة أكبر للدبلوماسية السورية في المحافل الدولية، وفي مفاوضاتها مع دول عدة أبرزها تركيا، والتمسّك بشروطها في المفاوضات، خصوصا بمطالب إنهاء الوجود التركي للأراضي السورية.
ويشرح النائب في مجلس الشيوخ المصري عن تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين المصرية محمود القط، في حديثه إلى منصة "المشهد"، أنه "كلما كانت جامعة الدول العربية مكتملة الأعضاء، كان القرار العربي أكثر قوة وصلابة، والعالم الآن هو عالم التكتّلات سواء السياسية أو الاقتصادية، ولذلك كان من المهم عودة سوريا لاكتمال بنيان الصف العربي، لكونها شريكا أساسيّا فيه، والعلاقات التاريخية المصرية- السورية، دائما تؤكد أنّ المصلحة المصرية هي في اكتمال الصف العربي و قوته".
الجانب الاقتصادي
استندت الدول العربية بقرار إعادة سوريا إلى الجامعة، إلى قرار 2254، في خطوة قد تكون وسيلة للالتفاف على العقوبات الغربية، خصوصا وأنّ التوجه الجمعي العربي نحو دمشق اقتصاديا، سيحول دون إمكان فرض عقوبات جماعية على دول مجتمعة من قبل العواصم الغربية، المصرّة على إبقاء عقوباتها على سوريا في الفترة الحالية على الأقل.
لم تقتصر المقاطعة العربية لدمشق على قطع العلاقات الدبلوماسية، وإغلاق السفارات والتصريحات ضدها، بل كان هناك مقاطعة للمنتجات السورية، باستثناء عدد قليل من الدول كالعراق مثلا، وهو ما فاقم من أزمة سوريا الاقتصادية.
وردًّا على انعكاسات قرار العودة على دمشق اقتصاديا، يرى شكاي، أنّ "القرار يعني بشكل آخر، إعادة فتح الباب أمام مؤسسات الجامعة للعودة والعمل داخل دمشق، وتمويل مشاريع تنموية داخل سوريا، وخصوصا أمام الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي التابع للجامعة العربية، وذلك تحت عناوين التعافي المبكّر، من دون الوقوع في مطب العقوبات الغربية المفروضة على سوريا".
فيما يبيّن النائب قط أنه "بعد عودة سوريا إلى الحضن العربي، سيبدأ التفاعل الحقيقي مع ما تواجهه من أزمات سياسية واقتصادية، لتكون الخطوة الثانية عودتها إلى وضعها الدولي الطبيعي، والمشاركة في المحافل الدولية المختلفة، وأيضا على الصعيد الاقتصادي سيكون للدول العربية دور كبير في بداية عودة الحياة الى طبيعتها، بدايةً من الاستقرار مرورا بإعادة الإعمار، إلى أن تنتهي بعودة سوريا إلى مكانتها الاقتصادية التي فقدتها نتيجة للحرب التي عصفت بها".
حراك عربي لاستقرار المنطقة
تزامنا، تتفق الدول العربية في غالبيتها، على ضرورة التعاون مع دمشق، مع الاختلاف في الدوافع. إذ انتهجت دولة الإمارات منذ أعوام، مبدأ تصفير المشاكل في المنطقة، ومن هذا المنطلق جاء الدور الإماراتي تجاه سوريا الذي يُعتبر في طليعة المساعي العربية تجاه دمشق. كذلك الأردن التي تريد أن تضبط حدودها مع سوريا، وتنظّم عودة آمنة للاجئين على أراضيها.
بالإضافة إلى ذلك، لا تريد الدول العربية ترك سوريا ساحة لروسيا وإيران، وهو ما تجلّى سابقا في غياب العرب عن تفاهمات الأزمة السورية، في كل من آستانا وسوتشي، ومن المرجّح أن تتزامن جهود التقارب العربي مع دمشق، بلعب دول عربية أدوارا أكبر في حل الأزمة السورية.
وبعد قرار عودة جامعة الدول العربية، تتجه الأنظار إلى القمة المقرر عقدها في الرياض في 19 من مايو الجاري، مع تزايد الحديث عن احتمال ترؤس الرئيس الأسد وفد بلاده، وإمكان عقد لقاءات "تاريخية" على مستوى الزعماء، على هامش قمة "الوفاق السوري-العربي".