يشير تقرير جديد لصحيفة "إيكونومست" البريطانية إلى أنه بعد عامين من الحرب في غزة وما كشفته من حجم المعاناة الفلسطينية، تبدلت صورة إسرائيل في نظر العالم.
إلا أن الارتدادات الأكثر فداحة بدت داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه، الذي يعاود أفراده التفكير في مستقبلهم وواقعهم تحت وطأة المآلات الجديدة التي تميل إلى عدم الاستقرار، وسط اتفاق هشّ لوقت إطلاق النار، وانعدام أفق التسوية مع الفلسطينيين، وتزايد العزلة الدولية، فضلا عن الاستقطاب السياسي داخليا.
في ظل هذه الأزمات، فإن أستاذ الاقتصاد بجامعة تل أبيب دان بن ديفيد، يعرج على ما تفاقمه تلك المستجدات من أزمة هجرة النخب وانعكاساتها، حيث إن "التفوق الاقتصادي والتكنولوجي لإسرائيل قائم على شريحة صغيرة جدا من المواطنين، ما يقرب من 300 ألف شخص، يشكلون العمود الفقري للبحث العلمي والطب والتكنولوجيا، ويمكن لأي منهم إيجاد فرص مغرية في الخارج بسهولة".
الهجرة السنوية
ورغم أن الهجرة السنوية بقيت مستقرة لعقد كامل عند نحو 40 ألف مغادر، فإن الأرقام قفزت بشكل لافت:
- 59,365 غادروا في 2023، بالتزامن مع أول سنة كاملة لحكومة نتانياهو الحالية.
- 82,774 غادروا في 2024، وذلك بعد أول سنة كاملة للحرب في غزة.
ورغم أن هذه الأعداد لا تقطع بعد بوجود "نزيف كفاءات" منظم، فإن المؤشرات تبعث على القلق.
فنحو 38% من المغادرين في 2024 هم من المهاجرين الجدد الذين لم يمضِ على قدومهم لإسرائيل أكثر من 5 سنوات، وبينهم أعداد كبيرة من القادمين من روسيا وأوكرانيا الذين قصدوا إسرائيل هربا من الحرب الروسية الأوكرانية.
كما تتضاعف أعداد الهجرة من بين الفئات الأصغر سنا والأكثر تعليما، ومنهم الأطباء.
ومع اندلاع الحرب، استُدعي أكثر من 300 ألف جندي احتياط للخدمة، فيما تواصل شريحة واسعة من الحريديم الامتناع عن الخدمة العسكرية، رغم تمتع أحزابها بنفوذ مؤثر داخل الائتلاف الحاكم.
ومع خطط الجيش للإبقاء على أعلى درجات الجاهزية لسنوات مقبلة، يُرجح أن يُستدعى جنود الاحتياط لشهرين إضافيين في 2026، ما يضيف أعباء كبيرة على العاملين والطلاب وأصحاب الأعمال.
كلفة باهظة
عليه، يحذر قادة عسكريون وخبراء اجتماعيون من أن الاعتماد المفرط على الاحتياط له كلفة باهظة، باعتبار أن هذه الفئة تشكل أيضا محرك الاقتصاد والبحث العلمي. وتقول راحيل أزاريا، التي تدير منظمة تُعنى بعائلات الاحتياط، إن "الاحتياط هم من يقودون اقتصاد إسرائيل في حياتهم المدنية، واستنزافهم بهذه الوتيرة مسألة خطيرة".
كما سجّل الجيش 21 حالة انتحار في صفوف الجنود عام 2024، وهو أعلى رقم منذ عام 2011. فيما يوضح أحد الأخصائيين العسكريين: "ستخرج إسرائيل من هذه الحرب وهي مجتمع مأزوم نفسيا". ورغم تخصيص الحكومة 1.9 مليار شيكل لبرامج الصحة النفسية، يرى الخبراء أن هذا لا يرقى إلى حجم الأزمة الراهنة.
وبين هجرة الكفاءات، وضغط الاحتياط، والشرخ السياسي، وتراكم الصدمات، يقف المجتمع الإسرائيلي أمام واقع جديد يطرح سؤالا حول ما إذا كانت إسرائيل تبدو قادرة على الحفاظ على نخبتها العلمية الأكاديمية الاقتصادية، أو أن هجرة النخب هي بداية انعطافة تاريخية.