استضافت العاصمة المالية باماكو في الأيام الماضية، اجتماعًا أول لرؤساء أركان القوات الجوية للدول الأعضاء في تحالف دول الساحل، الذي يضم مالي والنيجر وبوركينا فاسو.
وجاء هذا التحرك العسكري بالتزامن مع إبرام الجزائر اتفاقًا مع موريتانيا، خاصًا بمجال الدفاع وحماية المعلومات. هذه التحركات العسكرية بين الجانبين، أثارت الكثير من التساؤلات حول التوقيت والهدف، خصوصًا أنها أتت بعد أقل من أسبوع على تفاقم الأزمة بين الجزائر ودول تجمع الساحل وسحب سفرائها من الجزائر، وهو ما ردت عليه الجزائر بالمثل، بالإضافة إلى إغلاق مجالها الجوي أمام تلك الدول.
اتفاق الجزائر وموريتانيا لم يولد من عدم
ولمناقشة آخر التطورات في هذا الشأن، قال الرئيس السابق للجنة الجزائرية للسلم ومدير أفريك جيوبولتيك للدراسات الأمنية والإستراتيجية أحمد ميزاب، للإعلامية جمانة النونو في برنامج "في الواجهة" المُذاع على قناة ومنصة "المشهد": "لا يمكن أن نقرأ الاجتماع بين الجزائر وموريتانيا في إطار التصعيد أو رد فعل، ولا يمكن أن نضعه أيضًا في سياق التوتر الذي وقع بين الجزائر ومالي خلال الأيام الماضية".
وتابع قائلًا: "نعم صحيح لا نُنكر أنّ هناك توترًا كبيرًا بين الجزائر ومالي، ولكن لا يوجد في المقابل أيّ مؤشرات لأيّ تحرك عسكري مباشر في إطار رد فعل أو في إطار الرد على الاتفاقية التي أُبرمت بين الجزائر وموريتانيا، لأنّ هذه الاتفاقية لم تولد من العدم، وإنما جاءت في إطار سيرورة وديناميكية وحركية متبادلة ما بين البلدين".
توازنات إقليمية
وأردف بالقول: "محاولة ربط الاجتماعات التي جرت في الجزائر وفي مالي، يدخل في إطار سكب الزيت على النار لا أكثر، وصحيح أنّ الاتفاق الذي وقّعته الجزائر مع موريتانيا، يأتي في وقت تشهد فيها المنطقة إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية، لكن لا شك أنّ هذا الاتفاق من شأنه أن يؤسس في ظل الفراغ الأمني والتداعيات والانعكاسات الحاصلة وعدم التحكم في الوضع الأمني في المنطقة، لاحتواء التهديد من الجنوب وتشكيل حزام أمني جنوبي يتجاوب مع طبيعة هذه التهديدات".
واستطرد قائلًا: "التحالف الثلاثي بين بوركينا فاسو ومالي والنيجر، يمكن أن يترجم في سياق التحديات التي تشهدها الدول الثلاث في ظل تنامي التهديد الإرهابي وفي ظل الموجة المتصاعدة من الهجمات الإرهابية، خصوصًا في بوركينا فاسو، وفي المثلث الحدودي، النيجر بوركينا فاسو ومالي، الذي عرف في الساعات الأخيرة عمليات قاسية وموجعة، أدت إلى السيطرة على ترسانة حربية وقواعد عسكرية".
وختم قائلًا: "أعتقد أنّ التحالف الثلاثي يأتي في سياق البحث عن خطط عملياتية مشتركة، من أجل مواجهة التحدي الحاصل والذي أصبح يشكل هاجسًا ونوعًا من أنواع التهديد الحقيقي والوجودي لتلك الدول، لأننا للأسف عندما نتكلم بلغة الميدان، فإنّ التنظيمات الإرهابية المتعددة والنشطة في المنطقة، باتت تسيطر على الكثير من مناطق هذه الدول الثلاث، بالتالي أعتقد بأنّ هذا الاجتماع الثلاثي الذي جرى، يأتي في هذا السياق ولا يأتي في سياق تصعيد إقليمي أو غيره".
مواجهة التحديات الأمنية
من جهته، قال رئيس وحدة الشؤون الدبلوماسية في المنظمة الأوروبية للسياسات الأستاذ ناصر زهير لقناة "المشهد": "أعتقد أنّ بعض التغييرات الحاصلة في مجموعة الساحل، جاءت في إطار تقوية الدول الثلاث لنفسها وتقوية مواجهتها للتحديات الأمنية".
وأضاف: "لا يخلو الأمر أيضًا من إمكانية رد دول الساحل على التحركات الجزائرية مع موريتانيا، ولكن لا أعتقد أنّ لهذا أهمية كبيرة في الوقت الحالي، إذ إنّ ملف دول الساحل هو ملف شائك وكبير جدًا، ولا أعتقد أنّ أحدًا يسعى إلى فتحه حاليًا، خصوصًا أنّ الولايات المتحدة لها دور كبير جدًا في هذه الدول وتحديدًا في النيجر".