في ليلة هادئة وسط العاصمة نواكشوط لا يكسر الهدوء الرتيب الذي اعتادت عليه، سوى صوت منبعث من ساحة في ملعب كرة القدم ينشد صاحبه ما جادت به قريحته من مدح على وقع أهازيج وقرع الطبول.
إنها ليلة ليست من الليالي، آلاف من سكان نواكشوط جاؤوا من مختلف المناطق لحضور عروض من فن المدح ينعشها فنانون محليون دأبوا على أن يلتقيا مع جمهورهم في كل شهر رمضان، لدرجة أنه ارتبط هذا الشهر بالمدح.
الهروب من واقع مرير
على خشبة المسرح يقف المداح سيداتي ولد حيده، يصدح بأعلى صوت يخترق وقر الآذان، يترنم بعض القصائد تستذكر صفات الرسول الكريم، والرسالة التي جاء بها، تحث على العدالة والاقتداء بأخلاقه.
حفظ تلك النصوص الشعرية من آبائه الذين ورثوا المدح عن أجداده الذين ينتمون إلى شريحة "الحراطين"، فقد تعرضت للاسترقاق خلال القرن الماضي.
كانت تلك النصوص الشعرية المديحية يرددونها لعلها تنسيهم أوجاعهم وآلام الظلم والقهر الذين كانوا يرزحون تحته عندما كانوا "عبيدا".
يقول المداح سيداتي ولد حيده، إنه نشأ في بيئة مديحية، فأمه وجدته كانتا مداحتين، مارستا هذا الفن الذي وجدتا فيه الركن الذي تأوي إليه الروح لتعيش بسلام.
كان صوت والدته وهي تمدح وتترنم بعض أبيات من الشعر يحفزه على تعلم هذا الفن، يقول لمنصة "المشهد": "من شابه أمه ما ظلم".
يضيف أن المدح بصفة عامة هو عبارة عن قصائد من العامة تتحدث عن أخلاق الرسول الكريم وصفاته، وجانب من رسالته التي أكدت أن الجميع سواسي.
ويؤكد أن أجداده كانوا يفرون من القهر والظلم إلى الخلاء من أجل التعبير عن مكنوناتهم بالمدح يستنجدون به، لعل تلك الصرخات تجد آذانا صاغية.
ينشدون العدالة الاجتماعية
ولإحياء هذا الفن الشعبي اختار مركز ترانيم للفنون الشعبية تنظيم مهرجان ليالي المدح تجتمع فيه كل من يمارس هذا الفن في فضاء واحد يغنون ويعزفون ويقرعون الطبول من أجل نفض الغبار عن هذا الفن.
في هذا السياق يقول مدير المهرجان محمد عالي ولد بلال، إن هذا المهرجان تمكن بعد عشر سنوات من استقطاب فئات واسعة من الموريتانيين ينتظرون بفارغ الصبر تنظيم نسخته كل سنة.
ويضيف في تصريح لمنصة "المشهد"، أن هذا الفن ارتبط تاريخيا بالحراطين ينشدون عبره العدالة الاجتماعية.
ما هو فن المدح؟
يعكس الحضور الكبير لهذه النسخة من مهرجان ليالي المدح مدى شعبية هذا الفن الذي يتميز عن غيره أنه لا يعلم إلا عبر التلقين، فلا توجد قافية أو عروض ينظمه، إنه يكتسب بالممارسة والحفظ.
في هذا السياق يقول الباحث الاجتماعي امربيه ولد محمد الرحيل، إن هذا الفن نشأ على يد فئة من المجتمع كانت تعاني من القهر والظلم، حرمت من التعلم، فوجدت في المدح وسيلة للتعبير عن الحيف الممارس عليها.
ويضيف ولد محمد الرحيل، أن المدح يستذكر قيم الإسلام والعدالة الاجتماعية التي جاءت في رسالته، لهذا اختارت فئة من شريحة الحراطين أن تنسج قصائد من الشعر الشعبي تعبر عن معاناتهم.
ويرى الأستاذ في التاريخ والمهتم بالفلكلور الشعبي، عبد الله ولد عابدين، أن هذا الفن نشأ وترعرع في مناطق الشمال، والجنوب، مؤكدا أن بدايته كانت في مدينتي شنقيط ووادن التاريخيتين.
رسالة محبة
لم تجد تلك الشريحة خلال القرون الماضية سوى فن "المدح" أن يكون متنفسا وهروبا من واقع مر، فتحول مع مرور الزمن إلى رمز للحرية وللعدالة الاجتماعية التي يرنون إليها.
واعتبر ولد عابدين في تصريح لمنصة "المشهد" أن المدح طور مع مرور الزمن حتى يتماشى مع العصر، وذلك عبر إدخال قرع الطبل وآلات موسيقية حديثة، جعلته يستقطب فئات واسعة خاصة الشباب.
ويخلص أستاذ التاريخ إلى أن المدح ليس مجرد فن يتفاعل معه الجمهور، وإنما رسالة يصدح بها "المظلومين" و"المقهورين"، مؤكدا أنه يحمل بين ثناياه رسالة "محبة" و"نبذ العنف" والحث على العيش بسلام.