hamburger
userProfile
scrollTop

أميركا وتكميم الأفواه

ترامب ومؤيدوه يطيحون ببرامج كوميدية ذات شعبية هائلة (رويترز)
ترامب ومؤيدوه يطيحون ببرامج كوميدية ذات شعبية هائلة (رويترز)
verticalLine
fontSize

يضع الأميركيون التعديلين الأول والثاني للدستور في مرتبة القداسة. الأول هو الذي يرعى حرية الرأي والعبادة، وعدمها، بشكل مطلق، والثاني هو الذي يسمح باقتناء السلاح الفردي من دون ترخيص من الحكومة.

لكن في وقت يستمر التعديل الثاني مثارا للجدل، مع انعدام القدرة على الحد من انفلات السلاح، بل يمضي انتشاره في تزايد ويساهم في ارتفاع حالات القتل العشوائي، يعاني التعديل الأول من هجوم شرس عليه، بدأه أقصى اليسار وثقافة الإلغاء التي تبناها على مدى العقد الماضي، واستكمل الهجوم اليوم الرئيس دونالد ترامب ومؤيدوه بإطاحتهم ببرامج كوميدية ذات شعبية هائلة، وملاحقتهم وسائل الإعلام الأميركية أمام المحاكم.

ثقافة الإلغاء

وعلى مدى العقد الماضي، عمد اليسار إلى شن حملات شعبية ضد أي رأي لا يوافقه. مثلًا، لو شكك أحدهم في أحقية مثليي الجنس في أي أمر، لوجد نفسه أمام حملة تشنيع على وسائل التواصل الاجتماعية، ترافقها عرائض موجهة الى أرباب عمله لطرده، تحت طائلة مقاطعة العمل الذي يوظفه.

هكذا، مرة بعد مرة، وجد سياسيون وأكاديميون وصحفيون وصانعو محتوى أنفسهم أمام هجمات شعبية أدت إلى استقالتهم أو طردهم من أعمالهم بسبب تشكيكهم في أي من المواضيع التي يتمسك بها أقصى اليسار، والتي ترتبط بالعبودية أو حقوق المرأة أو المثلية الجنسية.

وساهمت "ثقافة الإلغاء" هذه بتدهور شعبية الديمقراطيين بين غالبية الأميركيين، بل أن البعض يعتقد أنها كلفتهم الرئاسة والكونغرس في الانتخابات الأخيرة، فانتقل الحكم إلى أيدي الجمهوريين واليمين.

لكن بدلًا من تكريس الحرية المطلقة للرأي، التي تعوّد عليها الأميركيون، شنّ الرئيس دونالد ترامب حملة انتقام من خصومه السياسيين، فقامت لجنة ترخيص البث التلفزيوني بالتهديد بتعليق إجازات بعض القنوات بسبب برامجها الساخرة التي تهاجم ترامب، فما كان من القنوات المذكورة إلا أن أعلنت إنهاء هذه البرامج، فكان الكوميدي جيمي كيميل ضحية فورية وتوقف برنامجه بصورة فورية، فيما تمت الإطاحة بستيفين كولبير، الذي سيتوقف برنامجه في موعد أقصاه يونيو المقبل.

وفي مقابلة إذاعية، قال ترامب أنه يعتقد أن أي برنامج يسخر من الرئيس أو يهاجمه يجب أن ينبغي وقفه، تحت طائلة تعليق رخصة الشبكة.

ترامب يُقاضي الصحف الأميركية

وإلى القضاء على البرامج التي تسخر منه، قام ترامب بمقاضاة كبرى الصحف الأميركية لأسباب متفرقة، وتضمنت هذه الصحف "نيويورك تايمز" و"وال ستريت جورنال" وغيرها.

ويسهّل عمل ترامب، أن المقاضاة تقوم بها وزارة العدل، فهذه القضايا تكلف أموالًا طائلة، ولكن وزارة العدل، التي يحمل رئيسها لقب "المدعي العام" بدلًا من "وزير العدل"، هي تحت تصرف ترامب، وهو ما يجعل مقاضاته لوسائل الاعلام التي تنتقده على حساب دافعي الضرائب وبدون تكلفة للرئيس الأميركي.

أما من يتعرضون للمقاضاة من قبل ترامب، فهؤلاء سيتكبدون تكاليف هائلة للدفاع عن أنفسهم، على الرغم من أن الاعتقاد السائد هو أن ترامب لن يفوز في أي من القضايا، اذ من شبه المستحيل أن يتجاوز القضاة التعديل الأول. مع ذلك، سينجح ترامب في تكبيد من يقاضيهم خسائر مالية، وهو ما يعني أنهم سيحسبون حساب، ألف مرة، في المرة القادمة التي ينوون فيها انتقاده.

كذلك عمد ترامب إلى استخدام وزارة العدل للثأر من كل من وقفوا في وجهه أو عارضوه في ولايته الأولى أو في السنوات الـ4 التي تلتها وكان فيها خارج الحكم، وهو يسعى الآن لدفع وزارة العدل لمقاضاة مدير مكتب التحقيقات الفدرالي (أف بي آي) السابق جايمس كومي، لأنه تحدى الرئيس ولم يقبل إملاءاته، بل نشر كتابًا أحرج ترامب فيه بتصوير أن الرئيس طلب من كومي تجاوزات قانونية.

وسيقاضي ترامب كذلك مدعية نيويورك ليتيتا جايمس، التي قاضت شركاته وجمعيته بتهم تلاعب مالية وساهمت في تكبيده خسائر مالية وأحيانًا إقفال بعض الفروع التابعة له.

ترامب وحرية الرأي

لكن بام بوندي، التي تدير وزارة العدل، شعرت بحرج من مقاضاة خصومه للثأر منهم، خصوصًا أن أي منهم لم يرتكب أي جريمة بصفة شخصية، بل في موقع المسؤولية ووفق أنظمة مرعية الإجراء، وهذا ما أثار حنق ترامب على وزيرته وصار يسعى لاستبدالها بمن هم أكثر وفاء له وممن يوافقون على الثأر من خصومه السياسيين.

ولن تؤدي كل حركات ترامب هذه إلى القضاء على حرية الرأي في الولايات المتحدة، لكنها ستضيق عليها حتمًا وستؤسس لسوابق لمن سيخلفه في الحكم، فإن صمدت المحاكم والمؤسسات الدستورية في وجه هجوم ترامب الحالي على حرية الرأي، قد لا تصمد أمام الهجمات التي ستليها مستقبلًا، وهو ما يقلق أميركيين كثيرين على مستقبل تقليد لطالما تباهوا به، وهم يرون ترامب اليوم يسعى لتدميره.