بعد صراع دامٍ استمر أكثر من 3 عقود، وقّعت أذربيجان وأرمينيا اتفاق سلام برعاية أميركية، ليُنهي بذلك مواجهات دموية ويفتح الباب أمام تعاون اقتصادي ودبلوماسي بين البلدين.
ورغم الترحيب الدولي بهذا الاتفاق، إلا أنّ صحيفة "غارديان" توقعت أن تُضيّق هذه الخطوة التي توسّط فيها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الخناق على النفوذ الجيوسياسي لمنافسي واشنطن في المنطقة.
ولم تتأخر إيران كثيرًا في التعبير عن مخاوفها من هذا الاتفاق، خصوصًا وأنّ الاتفاق يتضمن إنشاء ممر بين أرمينيا وأذربيجان تحت مُسمى "طريق ترامب للسلام والازدهار الدوليّين".
إيران تهاجم الاتفاق
وعارضت إيران إنشاء عذا الممر الذي يقع قرب الحدود الإيرانية. وأفادت وكالة تسنيم للأنباء، أنّ مستشار المرشد الإيراني علي خامنئي، علي أكبر ولايتي، صرّح بأنّ منطقة جنوب القوقاز ليست "أرضًا حرامًا" يمكن للرئيس الأميركي دونالد ترامب استئجارها.
وأضاف، "يبدو أنّ ترامب يظن نفسه وسيطًا عقاريًا ويريد استئجار أرض أو منطقة"، واصفًا منطقة القوقاز بأنها "واحدة من أكثر النقاط الجغرافية حساسية في العالم".
وقال محللون في حديث لمنصة "المشهد"، إنّ إيران تعارض هذا الاتفاق لأنه سيقضي على نفوذها في المنطقة، كما سيؤدي إلى خسائر اقتصادية كبيرة لها، خصوصًا وأنّ الممر سيخضع لإشراف أميركي، وهو ما يعدّ أيضًا محاولة لتطويق إيران بعد المواجهات العسكرية التي دارت بين إسرائيل وإيران في يونيو الماضي.
سيربط الممر المار بجنوب أرمينيا أذربيجان بجيبها ناختشيفان، وهو مطلبٌ قديم لباكو. ستُدير الولايات المتحدة الممر تحت السيادة الأرمينية، بموجب عقد إيجار أرض لمدة 99 عامًا، ما يُغيّر ميزان القوى في المنطقة. وزعم بعض المُعلّقين الإيرانيين أنّ الاتفاق يُمثّل "خنقًا جيوسياسيًا لإيران في المنطقة"، وفق شبكة "بلومبرغ".
في أحدث جزء من الصفقة، سيتولى تحالف أميركي - لم يُشكل بعد - إدارة ممر عبور بطول 20 ميلًا يربط أذربيجان بجيب ناختشيفان التابع لها. سيُطلق عليه اسم "طريق ترامب للسلام والازدهار الدوليين".
لماذا تعارض إيران الاتفاق؟
وفي حديث لمنصة "المشهد" قال المتخصص في الشأن الإيراني، وجدان عبد الرحمان، إنّ إيران تعارض هذا الاتفاق لـ3 أسباب:
- إيران لا تربطها بدول أوروبا أيّ طرق سوى ممر مع أرمينيا بمسافة 33 كيلو مترًا ويعدّ هو الممر الوحيد لعبور إيران إلى أوروبا.
- سبب آخر اقتصادي يتعلق بمرور البضائع التركية عبر إيران لكي تصل إلى أذربيجان حيث لا تمتلك تركيا أيّ طريق آخر للوصول إلى أذربيجان إلا عبر إيران، فيما سيعمل الممر الجديد على كسر هذا الاحتكار وبالتالي لن تحصل إيران على رسوم عبور من تركيا وأذربيجان.
- سبب أخير يتعلق بالوجود الأميركي في هذا الممر سيجعل أذربيجان أكثر حرية في المنطقة خصوصًا في ظل وجود قواعد عسكرية إسرائيلية هناك، كما سينهي النفوذ الإيراني في أرمينيا.
ويبدو أنّ إيران لا تمتلك أيّ أدوات للضغط من أجل الوقوف أمام هذه الصفقة.
ورأى مدير مركز أرامارابيا الأرميني هاكوب مقديس، أنّ إيران ليست بالقوة التي تجعلها تقف أمام الاتفاق، خصوصًا بعد الضربات القوية التي تعرضت لها من أميركا وإسرائيل في يونيو الماضي.
وقال مقديس في حديث لـ"المشهد"، إنّ الاتفاق ينهي عقودًا من الصراع بين الدولتين، لافتًا إلى أنّ الولايات المتحدة وجدت الفرصة سانحة للتوّسط والوصول لاتفاق، خصوصًا في ظل انشغال روسيا بحربها في أوكرانيا وكذلك إيران بعد الضربات التي تعرضت لها.
واتفق مع هذا الطرح المتخصص في الشأن الإيراني وجدان عبد الرحمان، قائلًا: "إيران لا تمتلك أيّ أوراق ضغط.. حاليًا هي تجد نفسها محاصرة وفي مأزق حقيقي".
حصار إيران
صوّر المسؤولون الأميركيون الاتفاقيات على أنها لواشنطن وانتكاسة لروسيا وإيران والصين. وبينما لا يحمل إعلان السلام القوة القانونية للمعاهدة، أعرب القادة الحاضرون في حفل التوقيع عن ثقتهم في صمود بنوده، وفق بلومبرغ.
وقال مستشار خامنئي، إنه في حال تنفيذه، سيُغير الممر المقترح الوضع الجيوسياسي للمنطقة ويُغير حدودها، وهو "مُصمم لتقسيم أرمينيا". وأضاف: "فكرة تأجير ممر لدولة أخرى فكرة ساذجة، وترامب يُمارس الغباء. إنّ ادعاء ترامب بإمكانية استئجار ممر في هذا الجانب من العالم، يُشبه قيام شخص من هنا باستئجار قناة بنما لنفسه. هذا مُستحيل، ولن يحدث".
وفي حديثه لـ"المشهد" قال مقديس، إنّ المعيار في هذا الاتفاق هو قدرته على الصمود، وأن يتحوّل بالفعل إلى اتفاق يُلزم جميع الأطراف بتطبيق بنوده، مشيرًا إلى أنّ إيران سوف تقبل في النهاية بالأمر الواقع لأنها لا تملك غير ذلك.
ولكنه أشار إلى احتمالية عقد لقاء بين إيران وأرمينيا في وقت قريب لمناقشة الأمر وبحث وترتيب أوراقهما، مضيفًا "هناك سيناريوهات عدة لا تزال أمام هذا الاتفاق، من بينها الوصول إلى اتفاق لإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية وبالتالي ستقوم موسكو بالترحيب بالاتفاق وقد يكون هناك اتصال مع إيران".
وأوضح أنّ أميركا قد توجه ضربة عسكرية لإيران في حال عارضت إتمام الاتفاق من أجل إنشاء الممر بين أذربيجان وأرمينيا، لافتًا إلى أنّ دولًا عدة رحبت بهذا الاتفاق من بينها تركيا وبعض الدول العربية التي لها تأثير في المنطقة.
على الجانب الآخر، رأى وجدان عبد الرحمان، أنّ هذه الخطوة تأتي في إطار تضييق الخناق على النظام الإيراني، الذي ظن أنه نجا من الضربات العسكرية الإسرائيلية الأميركية، مشيرًا إلى أنّ هذا الاتفاق إن تم تطبيقه، فغالبًا ما سيؤدي إلى ضعف النظام الإيراني وقد يسقط.