hamburger
userProfile
scrollTop

exclusive
 "دبلوماسية المقاومة".. صراع مكتوم داخل النظام الإيراني

المشهد

عراقجي يوضح مفهوم "دبلوماسية المقاومة" الإيرانية ويؤكد تكامل القوة والدبلوماسية (رويترز)
عراقجي يوضح مفهوم "دبلوماسية المقاومة" الإيرانية ويؤكد تكامل القوة والدبلوماسية (رويترز)
verticalLine
fontSize
هايلايت
  • عراقجي يوازن بين القوة الصلبة والدبلوماسية.
  • خطاب وزير الخارجية الإيراني يكشف عمق التباينات داخل النظام الإيراني.
  • مراقبون: السياسة الإيرانية تقوم على "المماطلة" لضمان تثبيت مشاريعها الإستراتيجية.

عاودت تصريحات وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بخصوص ما سماه "دبلوماسية المقاومة" التي تؤطر السياسات الخارجية لطهران، وتتخطى الجانب العسكري إلى جوانب أخرى تقع ضمن "القوة الناعمة" الثقافية والاقتصادية والإعلامية، الإشارة إلى تباينات وتناقضات جمّة بين التيار الإصلاحي والمتشدد داخل النظام حول مفاهيم وقضايا عديدة، محلية وإقليمية، خصوصاً مع تسيُّد عسكرة الدور الإقليمي والخارجي.


صياغة خطاب وازن

إذ سبق لوزير الخارجية الإيراني السابق محمد جواد ظريف، أن ألمح إلى إفشال القائد السابق لـ"فيلق القدس" قاسم سليماني، الخطط الدبلوماسية لحساب رؤية "الحرس الثوري" ومصالحه في إدارة الملفات الإقليمية والدولية.

ووفق مراقبين تحدثوا لـ"المشهد"، فإن تصريحات عراقجي تبدو محاولة لـ"صياغة خطاب وازن" داخل السياسة الخارجية الإيرانية، يجمع بين مدرستين طالما بدتا متعارضتين:

  • الأولى مدرسة قاسم سليماني التي ترى في القوة الصلبة وأذرع النفوذ الإقليمي أساسًا لتكريس الدور الإيراني.
  • الثانية مدرسة محمد جواد ظريف التي تعطي الأولوية للدبلوماسية والقوة الناعمة.

ويقدّم عراقجي نفسه باعتباره "تياراً وسطاً" يعتبر أن القوة والدبلوماسية أداتان متكاملتان لتحقيق المصالح الخارجية.

وخلال ملتقى "قاسم سليماني.. الدبلوماسية والمقاومة" الذي انعقد اليوم في مركز الدراسات السياسية والدولية بوزارة الخارجية الإيرانية في طهران، بحضور سياسيين ودبلوماسيين وأكاديميين من إيران وعدد من الدول، فقد طرح وزير الخارجية الإيراني مفهوم "دبلوماسية المقاومة" كإطار شامل يعكس التجارب والخبرات التي جسدها قاسم سليماني في العمل السياسي والإقليمي، على حد توصيفه.

وأوضح في كلمته أن المقاومة ليست قاصرة على البعد العسكري فقط، بل تمتد لتشمل الاقتصاد، النشاط الدبلوماسي، الثقافي، والإعلامي، وهي جزء من "القوة الناعمة" التي تعتمد عليها السياسة الخارجية الإيرانية في مواجهة الضغوط والتحديات الدولية.

وقال عراقجي إن هذا النهج يُعدّ ركيزة أساسية في مواجهة ما وصفه بالتحديات الخارجية وتحقيق العدالة في العلاقات الدولية. فيما عدّ الدور الذي اضطلع به سليماني هو الأساس الذي يوجه "العمل الدبلوماسي والإستراتيجي" لإيران.

بنيّة القرار الإيراني

لهذا، يرى الباحث في المعهد الدولي للدراسات الإيرانية (رصانة) الدكتور محمود حمدي أبو القاسم، أنه يجب قراءة تصريح وزير الخارجية الإيراني عراقجي في سياقه الكامل، إذ جاء خلال ملتقى "قاسم سليماني.. الدبلوماسية والمقاومة"، وهو ما يضفي عليه "دلالة سياسية" خاصة، تعكس محاولة واعية لبناء "خطاب وازن" داخل السياسة الخارجية الإيرانية.

فالتصريح لا ينفصل عن سعي عراقجي، المحسوب تقليديًا على التيار الإصلاحي، إلى التوفيق بين مدرستين مؤثرتين في بنيّة القرار الإيراني، الأولى جسّدها قاسم سليماني، وترتكز على القوة الصلبة باعتبارها الأداة الأنجح لتكريس النفوذ الإقليمي، والثانية يمثلها محمد جواد ظريف، وتمنح الدبلوماسية أولوية في تحقيق المصالح الخارجية، وفق حمدي أبو القاسم لـ"المشهد".

ويردف: "يعبّر هذا التوازن عن موقع عراقجي كتيار وسطي بين المدرستين، إذ ينطلق من مقاربة مفادها أن القوة والدبلوماسية ليستا مسارين متعارضين، بل أداتان متكاملتان في خدمة الأهداف الإستراتيجية لإيران، وهو ما ينسجم مع الطرح الذي قدّمه في كتابه الأخير حول "قوة الدبلوماسية" بوصفها أداة فاعلة حين تُدعم بعناصر القوة".

غير أن هذا الخطاب لا يمكن فصله عن السياق العملي للسياسة الخارجية الإيرانية، التي لم تعرف تاريخيًا خطوطًا فاصلة واضحة بين أدوات القوة الناعمة والصلبة. فقد دأبت طهران على توظيف بعثاتها الدبلوماسية وقنصلياتها في أنشطة تتجاوز الإطار الدبلوماسي التقليدي. فيما تحولت بعض الممثليات، منذ الحرب الأنغلو أميركية على العراق عام 2003، إلى مراكز تنسيق مع الميليشيات الحليفة في دول المنطقة، بحسب ما يوضح الباحث في المعهد الدولي للدراسات الإيرانية (رصانة).

وقد أعادت الاستهدافات الإسرائيلية للقنصلية الإيرانية في سوريا خلال حرب غزة تسليط الضوء على هذا النمط من التداخل بين العمل الدبلوماسي والأمني. وبالمثل، جرى توظيف شركات اقتصادية كبرى، على غرار "خاتم الأنبياء"، كما يشير المصدر ذاته، في خدمة مشروع النفوذ الإقليمي الإيراني، بما في ذلك أدوار استخباراتية خارج الحدود.

عقيدة "الولي الفقيه"

وفي هذا الإطار، يحمل تصريح عراقجي رسالة واضحة مفادها أن إيران لن تتخلى عن دعم محورها الإقليمي، الذي يشكل أحد أهم مصادر قوتها في مواجهة التحديات المتصاعدة، سواء تلك المرتبطة بإسرائيل أو بالولايات المتحدة، وذلك رغم التراجع الذي أصاب هذا المحور منذ السابع من أكتوبر، عقب الضربات التي استهدفت قياداته وقلّصت هامش حركته ونفوذه، وفق حمدي أبو القاسم.

إذ يظل ارتباط إيران بأذرعها المسلحة "خيارًا إستراتيجيًا" لا غنى عنه من منظور بنية النظام نفسه، بوصفه نابعًا من عقيدة "الولي الفقيه" التي تنظر إلى إيران كـ"مشروع دولة مركزية" ذات أيديولوجيا عابرة للحدود. من ثم، قدّرت أجهزة الاستخبارات الأميركية أن طهران قدّمت "دعمًا ماليًا" لـ"حزب الله" بقيمة تقرب من مليار دولار خلال الفترة الأخيرة، في مؤشر إضافي على "المكانة المحورية" التي يحتلها الحزب ضمن الإستراتيجية الإقليمية الإيرانية ومشروعها العقائدي.

"تصدير الثورة"

ويكمن السبب الرئيس للتضارب بين "الحرس الثوري" الإيراني والحكومة في أن الحرس لا يمثل مجرد جهاز عسكري تقليدي، بل هو "مركز قرار مستقل" يتمتع برؤية مختلفة عن وزارة الخارجية، ويتبع قيادة "المرشد الأعلى" مباشرة، حسبما يوضح المراقب الدولي العسكري السابق لدى الأمم المتحدة الدكتور كمال الزغول، موضحاً لـ"المشهد": "يمتلك الحرس الثوري مشروعًا إقليميًا يُعدّ بالنسبة له أولوية تفوق الاتفاقات الدبلوماسية، إذ يعتبر إستراتيجية "تصدير الثورة" إلى حدود أعدائه جزءًا من منظومة الدفاع عن البرنامج النووي الإيراني".

ويقول الزغول إن السياسة الإيرانية تقوم على "مبدأ تسويف الوقت" و"المماطلة" لضمان تثبيت مشاريعها الإستراتيجية، في ظل تذبذب الحكومة الإيرانية في ردودها على المفاوضات النووية. في المقابل، لا تصدر تصريحات بارزة عن الحرس الثوري، إذ يركز حاليًا على إعادة بناء دفاعاته التي تعرضت للتدمير.

وفي هذا السياق، تسعى الحكومة إلى استخدام المفاوضات للوصول إلى عام 2028، على أمل أن تنتهي ولاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ثم إعادة تنشيط المشاريع النووية، وفق الزغول. ويردف: "فيما يُظهر هذا التناقض بين التفاوض والتحضير العسكري أن المفاعل النووي وبرامج التخصيب بنيت جزئيًا استنادًا إلى الفجوات بين السياسة الدبلوماسية والأمنية، بما يعكس هدفًا إستراتيجيًا بعيد المدى".

الدبلوماسية الإيرانية والحرس الثوري

يمكن تلخيص أسباب هذا التضارب بين الدبلوماسية الإيرانية وتصرفات الحرس الثوري في 3 نقاط رئيسية:

  • تعدد مراكز القوة داخل إيران: النظام الإيراني ليس موحد القرار مثل الدول التقليدية، بل يضم أذرعا قوية عدة تعمل أحياناً بتوجيه مستقل.
  • وزارة الخارجية: المسؤولة عن الخطاب الدبلوماسي الرسمي والاتفاقيات الدولية، وتحاول تقديم إيران كطرف دبلوماسي معتدل.
  • "الحرس الثوري"، وخصوصا "فيلق القدس": يمتلك نفوذا أمنيا وعسكريا مستقلا، ويعمل خارج حدود الرقابة المباشرة للحكومة، مستهدفا النفوذ الإقليمي ودعم الأذرع المسلحة.

ويختتم المراقب الدولي العسكري السابق لدى الأمم المتحدة حديثه قائلًا: "يعمل الطرفان ضمن الدولة نفسها، لكن ليس تحت قيادة سياسية موحدة بالكامل. وتُعد هذه الإستراتيجية مقصودة، إذ يسمح التضارب، الظاهري، بين الدبلوماسية والحرس الثوري بتطوير القدرات الصاروخية والنووية تحت غطاء التوترات والتدخلات الإقليمية. وبالنظر إلى تعقيدات المشهد الدولي، لا ترى الولايات المتحدة حلًا عسكريًا سريعاً لملف إيران، خصوصًا في ظل التنافس الإستراتيجي مع الصين، بما يتيح لإيران الاستمرار في نهج القوة الذكية وتحقيق أهدافها الإستراتيجية والاقتصادية على المدى الطويل".