أدخل الرئيس الأميركي دونالد ترامب الولايات المتحدة مرحلة جديدة في صراعها مع فنزويلا، عبر ضربة نفذتها وكالة الاستخبارات المركزية ضد منشأة موانئ، في خطوة اعتُبرت تصعيدًا نوعيًا يفتح الباب أمام قرارات أكثر خطورة في العام الجديد.
ولم تقدم الإدارة حتى الآن مبررًا واضحًا أو خطة متماسكة تشرح أهدافها النهائية، ما أثار مخاوف قانونية ودستورية بشأن طبيعة العملية وحدودها، بحسب شبكة "سي إن إن".
تدرجت المواجهة مع كاراكاس من ضغوط دبلوماسية إلى ضربات ضد زوارق يُشتبه في تورطها بتهريب المخدرات ثم حصار ناقلات النفط، وصولًا إلى هجوم بري.
وإذا كان الهدف المعلن هو إزاحة الرئيس نيكولاس مادورو، فإنّ البيت الأبيض لم يوضح للأميركيين ما الذي سيأتي بعد ذلك، وهو ما يعيد إلى الأذهان إخفاقات التدخلات العسكرية السابقة في العراق وأفغانستان وليبيا.
وصف النائب الديمقراطي آدم سميث الضربة، بأنها تصعيد كبير يثير أسئلة معقدة حول مدى استعداد ترامب للمضيّ في مشروع تغيير النظام.
ويرى مراقبون أنّ الغموض قد يكون مقصودًا، ضمن إستراتيجية نفسية تهدف إلى إرباك مادورو وأنصاره، لكنّ هذا الغموض يضاعف القلق بشأن غياب رؤية واضحة.
جدل عابر للحدود
يجمع كثير من الفنزويليين على رفض نظام مادورو الذي دمر اقتصاد البلاد الغني بالنفط وأطلق موجات هجرة واسعة، لكنّ منتقدي الإدارة الأميركية لا يدافعون عن النظام بقدر ما يشككون في دوافع واشنطن وكفاءتها.
منح إعلان البيت الأبيض أنّ "كارتل الشمس" منظمة إرهابية أجنبية الإدارة، غطاءّ قانونيًا لتبرير استخدام القوة، غير أنّ هذا الموقف أثار جدلًا حتى داخل صفوف الجمهوريين.
إعلان ترامب عن العملية السرية بنفسه، أضعف ميزة "الإنكار المعقول" التي عادة ما ترافق مثل هذه العمليات، وفتح الباب أمام تساؤلات حول جدوى تفجير منشآت الموانئ في إضعاف مادورو.
توقع الأدميرال المتقاعد جيمس ستافريديس، أن تتوسع الضربات لتشمل الجيش الفنزويلي وأنظمة الدفاع الجوي وربما القيادة السياسية نفسها، محذرًا من أنّ هذه قرارات بالغة الصعوبة لأيّ رئيس.
أبعاد سياسية وإستراتيجية
الضربة على فنزويلا ليست معزولة، فقد أعلن ترامب في عيد الميلاد عن عمليات عسكرية في نيجيريا، وهدد إيران بضربات جديدة، ما يعزز الانطباع بأنه يتصرف بدافع الاندفاع أكثر من التخطيط.
ويبرر الرئيس خطواته بأنّ فنزويلا لاعب رئيسي في تجارة المخدرات التي تقتل آلاف الأميركيين سنويًا، على الرغم من أنّ البلاد ليست ممرًا أساسيًا للفنتانيل الذي يشكل أخطر أزمة مخدرات في الولايات المتحدة.
ورغم ضعف الحجة العلنية، فإنّ للإدارة منطقًا سياسيًا داخليًا: إقامة حكومة صديقة في فنزويلا قد يسهل إعادة المهاجرين غير النظاميين، ويمنح نفوذًا أكبر في نصف الكرة الغربي.
وقد يفتح إسقاط مادورو الطريق أمام الضغط على كوبا، بينما يوفر الأسطول الأميركي في الكاريبي منصة لسياسة أكثر هجومية.
تتوافق هذه الخطوات مع الإستراتيجية الأمنية الوطنية التي أعلنتها الإدارة، والتي تعيد إحياء مبدأ مونرو وتؤكد رفض أيّ نفوذ خارجي في المنطقة.
ويثير هذا النهج اعتراضات واسعة، إذ يرى منتقدون أنه يتجاوز القيود الدستورية ويبتعد عن شعار "أميركا أولًا"، ليضع الولايات المتحدة أمام احتمال حرب سرية طويلة المدى في فنزويلا.