قبل نحو عام تمكّن زعيم "هيئة تحرير الشام" من الإطاحة بالرئيس السوري السابق بشار الأسد، بعد هجوم مباغت شنته فصائل سورية معارضة على ما تبقى من مناطق سيطرة النظام السوري، ليتولى بعد ذلك مقاليد الأمور في البلاد ويعلن عن اسمه الحقيقي: أحمد الشرع.
واليوم يستقبل الرئيس الأميركي دونالد ترامب الشرع في البيت الأبيض في زيارة يراها مراقبون أنها مفصلية وحاسمة لتثبيت أركان الدولة السورية بعد 14 عاما من الحرب الأهلية التي أدت إلى انهيار سوريا اقتصاديا وتشريد الملايين كلاجئين في دول العالم.
يزور الشرع البيت الأبيض بعد لقاء جمعه بالرئيس الأميركي في المملكة العربية السعودية في مايو الماضي، ولم يخف ترامب إعجابه بزعيم سوريا الجديد ووصفه بأنه "رجل قوي".
خلال الأشهر الماضية، سعى الشرع إلى تقديم سوريا الجديدة، هذا البلد الذي عانى على مدار عقود من عقوبات اقتصادية، في محاولة لبناء دولة قائمة على الانفتاح على العالم مدمرًا بذلك إرث من سبقه في الحكم من آل الأسد، وكذلك إرثه الشخصي كزعيم لـ"ميليشيا مسلحة" مصنفة على قوائم الإرهاب في أغلب دول العالم.
وفيما ينتظر ملايين السوريين اللقاء المرتقب بين ترامب والشرع في البيت الأبيض، يراقب 3 قادة في العالم هذا اللقاء باعتباره مفصليا لعلاقة بلدانهم بالدولة السورية، برغم اختلاف توجهاتهم واهتماماتهم بدمشق.
المرشد الإيراني
ولعل الخاسر الأكبر من سقوط النظام السوري السابق في العالم هو النظام الإيراني الحالي، والذي كانت تربطه علاقات وطيدة بالنظام السوري وسعى خلال العقد الماضي إلى تثبيت أركان هذا النظام بالمال والسلاح والجنود في مواجهة الاحتجاجات الواسعة التي شهدتها البلاد.
وكانت سوريا ضمن المحور الإيراني الذي بنته طهران على مدار سنوات، إذّ كانت تستخدمه كطريق لإمدادات السلاح والمال لـ"حزب الله" القابع على الحدود اللبنانية الإسرائيلية.
وبمجرد الإطاحة بنظام الأسد، توقفت سلاسل الإمداد بين إيران و"حزب الله" عبر الأراضي السورية ما وضع التحالف الإيراني في مأزق غير مسبوق.
لم تسعى الحكومة الجديدة في دمشق إلى فتح قنوات اتصال مع النظام الإيراني الذي تتهمه بارتكاب المجازر بحق أبناء الشعب السوري خلال السنوات الماضية.
في المقابل تدرك طهران أنه ليس لها مكان في خريطة سوريا الجديدة، خصوصا في ظل الترحيب الأميركي بالنظام السوري الجديد والعداء "العميق" بين واشنطن وطهران.
وكان المرشد الإيراني علي خامنئي قد أشار قبل أيام إلى أن العداء بين إيران والولايات المتحدة ليس خلافا في وجهات النظر ولكن خلافا جوهريا وعميقا، مستبعدا أن يتم الوصول إلى اتفاق معها طالما تدعم إسرائيل. فيما صرّح قادة سوريا الجدد بعد أيام من سقوط الأسد بأنهم يريدون بناء علاقات مع الدول قائمة على الاحترام المتبادل والندية وليس التبعية.
فلاديمير بوتين
على الجانب الآخر، لم تضيّع موسكو وقتًا بعد سقوط بشار الأسد، وسارعت إلى فتح قنوات اتصال مباشرة وغير مباشرة بالنظام السوري الجديد في محاولة لحماية مصالحها في المنطقة.
روسيا التي كانت حليفًا إستراتيجيا لبشار الأسد ودعمته خلال السنوات الماضية، تمتلك قاعدتين عسكريتين في سوريا وهما قاعدة حميميم في اللاذقية وقاعدة طرطوس البحرية.
وعلى الرغم من أن لقاء الشرع بترامب يأتي بعد زيارة قام بها الشرع إلى روسيا التقى خلالها بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، فإن موسكو تراقب عن كثب تحركات الشرع في واشنطن لتتبين ما ستسفر عنه هذه الزيارة.
وعلى عكس الكثير من المحللين الذين رأوا أن نفوذ في روسيا في سوريا توارى بعد سقوط الأسد، كشف مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان رامي عبد الرحمن في لقاء مع قناة ومنصة "المشهد" قبل أيام أن عددا من طائرات النقل الروسية جلبت جنودا إلى القاعدتين العسكريتين في سوريا.
بنيامين نتانياهو
وفي إسرائيل، ربما تختلف نظرة رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو لزيارة الشرع إلى واشنطن عن قادة روسيا وإيران، فعلى طاولة التفاوض سيتم طرح الكثير من الملفات التي تتعلق بالعلاقات الإسرائيلية السورية.
وبعد سقوط النظام السوري في ديسمبر الماضي، أعلنت إسرائيل فورا إنهاء اتفاق فض الاشتباك مع سوريا وقصفت جميع المنشآت العسكرية التابعة للجيش السوري. كما توغلت القوات الإسرائيلية في الأراضي السورية، وسيطرت على جبل الشيخ الإستراتيجي.
وعلى الرغم من تأكيدات الإدارة السورية الجديدة أنها لم تأت لكي تحارب إسرائيل ولكنها تركز على بناء البلاد التي دمرتها الحرب الأهلية فإن تل أبيب اختارت التعاطي مع الإدارة الجديدة بمنطق القوة وفرض الشروط.
وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني صرّح مؤخرا بأن بلاده لا تسعى إلى الزحف نحو إسرائيل في رسالة طمأنة بأن النظام الجديد ربما يرغب في الاتفاق مع تل أبيب.
في المقابل، جاءت تصريحات الجانب الإسرائيلي أكثر تشددا حيث أشار نتانياهو أن بلاده لا تنوي مغادرة جبل الشيخ الذي سيطرت عليه بعد سقوط الأسد.
ويسعى ترامب خلال زيارة الشرع إلى البيت الأبيض إلى ضم سوريا إلى اتفاقيات إبراهيم، وفق ما كشفت وسائل إعلام أميركية، وربما ينتظر نتانياهو الضغوط التي سيمارسها ترامب من أجل إقناع الشرع بالانضمام إلى هذه الاتفاقيات.
وذكرت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يضع اللمسات الأخيرة على صفقة شاملة مع سوريا، تتضمن تفاهمات أمنية مع إسرائيل وانضمام دمشق إلى "اتفاقيات إبراهيم".