في خطوة هي الأوسع من نوعها للتعامل مع العنف الداخلي، تشن حركة "حماس" منذ توقيع اتفاق وقف النار مع إسرائيل، حملة أمنية شاملة في مختلف أنحاء قطاع غزة، تستهدف بشكل مباشر ما وصفتها بـ"المليشيات المسلحة والعصابات الخارجة عن القانون"، حيث أضحت "حماس" تواجه تحدياً داخلياً متصاعداً، بفعل تنامي قوة الجماعات المسلحة والعشائر التي تنازعها النفوذ، وهذا يعكس تراجع هيمنتها المطلقة على القطاع، بل يضعها أمام اختبار صعب بين الحفاظ على الشرعية الشعبية وفرض الأمن، في مشهد يعيد إلى الأذهان التحديات الأمنية المترابطة التي تواجهها غزة، والثمن الذي يدفعه المدنيون في هذه المعادلة الأمنية المعقدة، التي وصلت ذروتها في عمليات تصفية جسدية علنية.
حملة رادع وعملاء إسرائيل
بحسب المعلومات الميدانية التي حصلت عليها منصة "المشهد"، فإن "حماس" تشن حملة "رادع" لملاحقة العناصر المسلحة المتهمة بالتعاون مع إسرائيل، ولإعادة ضبط السلاح في غزة، واستهداف أوكار الخيانة والعمالة، وشملت الحملة مداهمات لمنازل مسلحين تابعين لعائلات ومليشيات متنافسة، واعتقلت وأعدمت العشرات.
وفي هذا السياق، أوضح القيادي في حركة "حماس" وليد الكيلاني لمنصة "المشهد"، بأن"عمليات القصاص بحق المتعاملين مع إسرائيل تأتي ضمن إجراءات تنفيذ القانون بحق من ارتكبوا جريمة الخيانة العظمى، وقد حصلت هذه الإجراءات على دعم واضح من جميع الفصائل الفلسطينية، التي أصدرت بيانات دعم لها، كما أبدت الجهات المجتمعية دعمها لفرض القانون والنظام على هذه العصابات الإجرامية الإرهابية".
وشدد القيادي الكيلاني لـ"المشهد" على أن "جميع العشائر الفلسطينية دعمت هذه الإجراءات، وأدانت سلوكيات بعض المنتسبين لها، وقد عبّرت قيادات من حركة فتح في غزة عن دعمها لإجراءات الأجهزة الأمنية، نظراً لأن حالة الفلتان والفوضى تؤثر على الجميع دون استثناء، كذلك وجود العصابات الإجرامية لم يستهدف حركة "حماس" وحدها، بل كل الشعب الفلسطيني".
وأشار خلال حديثه إلى أن "تنفيذ أحكام الإعدام بحق المتخابرين مع إسرائيل أو المتورطين بجرائم أمنية وجنائية، يتم بعد استيفاء الإجراءات القانونية والقضائية، وحسب الأصول، جميع الذين نفذت بحقهم أحكامًا عقابية، جرى التحقيق معهم والتحري الأمني حولهم، فضلًا عن توثيق ذلك، حتى خلال الحرب".
تشويه صورة النضال
أظهرت مقاطع فيديو متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، عمليات انتشار مكثف لأجهزة الأمن التابعة لـ"حماس"، وإقامة حواجز أمنية لتفتيش المركبات والمارة، في ظل تصاعد حاد في أعمال العنف الداخلي والاشتباكات المسلحة بين عائلات وعصابات في القطاع، أسفرت عن سقوط جرحى وقتلى، وسط تحذيرات رسمية من انزلاق غزة إلى فوضى أمنية.
من جانبه، صرح الناطق باسم حركة فتح في قطاع غزة منذر الحايك لمنصة "المشهد"، بأن "ممارسات حماس في قطاع غزة، تشوّه صورة النضال الوطني وتعمّق الانقسام الداخلي، ولا تملك الحق في تنفيذ أي عملية إعدام ميداني أو افتعال الأزمات، أياً كانت المبررات"، مشدداً على أنه "لا أحد فوق القانون والسلطة الشرعية، نرفض وندين أفعال "حماس"، والتي تشكل تهديداً واضحاً على السلم الداخلي والنسيج الاجتماعي، وفيديوهات الاعدام تضر بالقضية الفلسطينية وعدالتها وروايتها أمام المجتمع الدولي".
وأكد الحايك لـ"المشهد" بأن "حماس"، "لديها عقدة اليوم التالي للحرب، تريد أن تستخدم كل قوتها لتقول بأنها الجهة التي تستطيع فرض النظام والأمن في قطاع غزة، ربما تستطيع أن تحكم بقوتها لكنها لن تتمكن من أن تؤوي عائلة فلسطينية واحدة، نحن في وضع خطير يتوجب على "حماس" الخروج من المشهد الحكومي، وتتولى السلطة الفلسطينية الولاية القانونية وتفرض الأمن والنظام".
إعادة إعمار غزة
وأوضح القيادي الفتحاوي الحايك خلال حديثه أن:
- أثناء الحرب كان هناك الكثير من التجاوزات من بعض المواطنين على إثرها تشكلت عصابات مسلحة جزء منها تابع لإسرائيل، وجزء آخر كانت مقلدة للعصابات الإسرائيلية، مما قاد لسرقة المساعدات الإنسانية.
- كان يتوجب على حركة "حماس" عقابهم أثناء الحرب بالقانون الذي يقوم على اعتقال كل العملاء واللصوص والمتجاوزين، ومن ثم التحقيق معهم وعرضهم للقضاء، لكن ليس بهذه الطريقة.
واعتبر الحايك بأن "حماس" ربما تتمكن بقوتها أن تفرض نفسها في الساحة، و"السؤال هنا، هل تستطيع توفير خيم وبيوت للشعب الفلسطيني، الجواب لا، لأنها لن تتمكن من تجنيد العالم من أجل إعادة إعمار قطاع غزة، نحن نقول بشكل واضح بأن من يستطيع القيام بهذه المهمة السلطة الفلسطينية، فكل الإجراءات التي تسلكها تفكك النسيج الاجتماعي، وتهدد مستقبل القطاع، على صعيد إعادة الإعمار وعودة الأمن والاستقرار، وتعيده لدائرة العنف والفوضى".
فوضى تقودها "حماس"
وأفادت وسائل إعلامية إسرائيلية، بأن حركة "حماس" تمكنت من السيطرة على مئات البنادق والرشاشات والذخيرة والقنابل اليدوية والمركبات والأموال المحولة من إسرائيل إلى ميليشيات العشائر داخل قطاع غزة، وفي هذا الصدد، تؤكد تقديرات المنظومة الأمنية الإسرائيلية، بأن "السيطرة على المزيد من الأسلحة ستكون مسألة وقت طالما استمر الانسحاب الإسرائيلي إلى المنطقة العازلة كما نصّ عليه اتفاق وقف إطلاق النار".
وفق الأكاديمي والمحلل السياسي الإسرائيلي مردخاي كيدار، فنحن نشاهد هذه المظاهر الفظيعة التي تقوم بها حركة "حماس" في قطاع غزة، التي تؤكد للقاصي والداني بأن "حماس" هي النسخة الفلسطينية الغزاوية لمنظمة داعش الإرهابية ليس أقل من ذلك، و"قد رأينا حماس في العام 2007 عندما اغتالت بدم بارد أكثر من 20 فرداً في مدينة رفح، هل كان هناك محاكمة لهؤلاء؟ وهذا ما يحصل اليوم لعائلة دغمش وغيرهم على أيدي عناصر حماس".
وأردف المحلل السياسي كيدار بالقول لـ"المشهد":
- تسيطر عقلية الفوضى والخراب على قيادة الحركة وعناصرها، حيث تسعى لفرض سطوتها بسياسة المليشيا والإرهاب ضد من يعارضها، وترسل رسائل ترهيب وتخويف، من أجل أن تعيد فرض هيبتها ومكانتها بالقطاع، مع تراجع شعبيتها عبر قوة الغطرسة والسلاح، لتثبت بأنها تحكم قطاع غزة وتسيطر عليه بالكامل.
- ما تقوم به حركة "حماس" من إعدامات بحق الفلسطينيين، لأنها لا تبالي أصلاً بالأرواح، لذلك فتحت حرباً مدمرة وقاتلة على الحجر والبشر في القطاع لمدة عامين وعرضت الأهالي للقتل والجوع، بينما عناصر "حماس" موجودة في الأنفاق، كل هذه الإجراءات والممارسات من قبل "حماس" ربما تنجح في بسط السيطرة، لكنها لن تنجح في بسط الأمن، لأن أهل غزة يريدون الانتقام من مسلحي وعناصر "حماس" ويرفضون وجودهم جملة وتفصيلاً.
للمزيد :
- أخر أخبار العراق هذا اليوم