hamburger
userProfile
scrollTop

exclusive
 زمن الاستعمار انتهى.. فرنسا تخسر آخر نفوذها في غرب إفريقيا

تصاعد الغضب الشعبي ضد السياسات الفرنسية في إفريقيا (أ ف ب)
تصاعد الغضب الشعبي ضد السياسات الفرنسية في إفريقيا (أ ف ب)
verticalLine
fontSize
هايلايت
  • خبير في الشؤون الإفريقية: على فرنسا أن تدرك أن زمن ما بعد الاستعمار قد انتهى. 
  • باريس تخسر آخر موطئ قدم عسكري مباشر في غرب إفريقيا.
  • فرنسا تعيد النظر في مجمل سياستها الإفريقية.

في خطوة تحمل رمزية سياسية عميقة، أعلنت فرنسا رسميا إنهاء وجودها العسكري في السنغال، لتطوي بذلك آخر صفحة من حضورها العسكري في غرب إفريقيا، بعد انسحابات متتالية من مالي وبوركينا فاسو والنيجر. هذا القرار الذي وصفه البعض بـ"التاريخي" يأتي وسط تصاعد المدّ الشعبي والسياسي الرافض لأي مظاهر نفوذ فرنسي في القارة السمراء.

ويعود الوجود العسكري الفرنسي في السنغال إلى ما بعد الاستقلال عام 1960، عندما وقّعت باريس وداكار اتفاقيات دفاع مشترك تتيح بقاء قوات فرنسية على الأراضي السنغالية. وبقيت قاعدة "أويكام" العسكرية في داكار رمزا لهذا الحضور لعقود.

لكن السنوات الأخيرة شهدت تغيرًا جذريًا في المزاج الإقليمي. فمن تصاعد الغضب الشعبي ضد السياسات الفرنسية، إلى صعود أنظمة انتقالية في الساحل تطالب باستقلال القرار الأمني، باتت باريس تجد نفسها أمام واقع جديد يقلص من قدرتها على المناورة.

ويثير هذا الانسحاب تساؤلات عدة، ما الذي دفع فرنسا لاتخاذ هذا القرار الآن؟ وهل جاء نتيجة ضغوط شعبية داخل السنغال أم أنه جزء من إعادة تموضع إستراتيجي؟ وكيف سيؤثر هذا الغياب على التعاون الأمني في منطقة الساحل التي تواجه تهديدات متزايدة من الجماعات المسلحة؟

باريس تخسر غرب إفريقيا

وحول أسباب هذه الخطوة، يرى ريجيه أنكيبيه، مدير مركز إنتر غلوب المتخصص في العلاقات الدولية والجيوسياسية في باريس، أن القرار تأكيد معظم الدول الإفريقية، وخصوصًا إفريقيا الفرنكوفونية، وبشكل متزايد وصريح، على أن المهام السيادية، وخصوصًا في مجالي الأمن والدفاع، يجب أن تتولاها القوات الوطنية من الآن فصاعداً.

ويُضيف أنكيبيه في حديث لـ"المشهد" أن انسحاب القوات الفرنسية من السنغال، وعلى عكس ما حدث في بلدان الساحل الأخرى، تم بطريقة ودية للغاية. وتجدر الإشارة إلى أن هذا التوجه كان ضمن البرنامج الانتخابي لحزب PASTEF، الحزب الذي أوصل الرئيس باسيرو ديوماي فاي إلى السلطة، وأيضا رئيس الوزراء عثمان سونكو، ويوضح:

  • PASTEF هو حزب ذو توجه سيادي يساري إفريقي، وكان قد عبّر سابقا عن موقفه الرافض لأيّ وجود عسكري أجنبي في البلاد بعد عام 2025، وقد تم تنفيذ هذا التوجه بالفعل.
  • السنغاليون يعتبرون أنهم أنهوا الوجود العسكري الفرنسي، في حين قد لا تبدي فرنسا العسكرية الحماسة ذاتها.
  • ومع ذلك، وبعكس ما حدث في بعض دول الساحل حيث طُردت فرنسا بالقوة، فإن الأمور في السنغال جرت بتوافق نسبي.

ضغوط شعبية أم سياسية؟

ورفض المتحدث ذاته وجود ضغوط شعبية أو سياسية، لأن الحزب الحاكم حاليا، والذي أعلن منذ حملاته الانتخابية أنه بمجرد وصوله إلى السلطة، سيطالب بتفكيك القاعدة العسكرية الفرنسية ورحيل القوات الفرنسية المتمركزة في السنغال منذ ما بعد الاستقلال. "وقد نُفّذ هذا الوعد بالفعل. لذلك، لم تكن هناك ضغوط ذات أهمية سواء من الشارع أو من الأطراف السياسية. بل كان الأمر ببساطة التزاماً بوعد سياسي تم إعلانه مسبقاً".

وعن تأثير القرار، يقول الخبير في الشؤون الإفريقية إن "تأثير هذا الأمر على فرنسا ليس رمزياً فقط، بل هو ملموس مادياً. فرنسا تُغادر بالفعل، ويبدو أنها تعيش لحظة لم تر مقدماتها بوضوح، تلك المقدمات التي تمثلت في الاحتجاجات في الشوارع، وفي الكتب، وفي وسائل الإعلام، ضد وجودها، سواء الدبلوماسي أو الاقتصادي أو العسكري، في القارة الإفريقية، وخصوصا في منطقة غرب إفريقيا"، ويُبيّن:

  • نعم، من الناحية الرمزية، خروج فرنسا العسكري لا يمنحها بعد الآن ذلك الامتداد لقوتها العسكرية، التي كانت في السابق تُعتبر بطبيعتها قوة عسكرية تتجاوز حدودها، كما كان يُقال في العصور الاستعمارية: "ما وراء البحار". لكن اليوم، هذا انتهى.
  • على الأرض الإفريقية، القواعد العسكرية الفرنسية تُغلق تدريجياً، والمؤسسات العسكرية الفرنسية بدأت بالانسحاب. وبالتالي، نعم، من منظور إستراتيجي، يمكن اعتبار ذلك خسارة في النفوذ.
  • وبالنسبة للدول الإفريقية، وخصوصاً السنغال، يجب أن نذكر أن هذا البلد يتمتع بجيش محترف، ديمقراطي، يعرف كيف يلتزم بثكناته، ويؤدي دوره بانسجام مع المجتمع المدني.
  • هذا الجيش يحترم المعايير الوطنية والدولية، وسيواصل تطوير قدراته. وفي المقابل، فرنسا تطوي أمتعتها، وتبقى كما هي، لكن من حيث النفوذ الدبلوماسي والعسكري، من الواضح أنها تخسر موطئ قدم في إفريقيا. 

ليس نهاية النفوذ الفرنسي

وبينما يتساءل البعض إن كنا أمام قطيعة نهائية مع "فرنسا ما بعد الاستعمار"، يرى آخرون أن الانسحاب العسكري لا يعني بالضرورة نهاية النفوذ الفرنسي، فقد يكون بداية علاقة جديدة تحكمها الشراكة والندية. في هذا الإطار، يقول الخبير في الشؤون الإفريقية: "منذ انسحاب فرنسا من الدول الثلاث في منطقة الساحل، وخصوصا تلك المنخرطة في مواجهة الجماعات المسلحة الإرهابية، علينا أن نقوم بجرد حساب. واليوم، بحذر شديد، أقول إنه يجب علينا أن ننظر إذا ما كان التهديد الإرهابي قد خفّ تأثيره في مالي، بوركينا فاسو، والنيجر".

وأكد المصدر نفسه، أنه في عام 2025 لا يمكن أن "نستمر في بناء علاقاتنا في القارة الإفريقية مع قوة استعمارية بالطريقة نفسها التي كانت في الماضي، وإلا، فإنه مهما بالغنا في التشدق بالسيادة، أو بالوحدة الإفريقية، أو بالاستقلال، فستبقى مجرد شعارات فارغة. اليوم، نعم، هذا الانفصال، إذا كان فعلا انفصالًا كاملا، يمثل قطيعة مع كل القوى التي نعلم أنها، أيا كانت، لا تأتي من أجل شراكة متكافئة، بل تأتي في الغالب من أجل الاستحواذ". 

زمن ما بعد الاستعمار انتهى

ويخلص أنكيبيه إلى أنه: "على فرنسا أن تتأقلم، هذا كل ما في الأمر. فرنسا السلطة، فرنسا الحكومية، فرنسا العسكرية، فرنسا الدبلوماسية، عليها أن تتأقلم. لا أقول بالضرورة إننا دخلنا زمنا جديدا أو أننا على مفترق طرق، لكن الحقيقة اليوم أن فرنسا مطالبة بالتأقلم. عليها أن تدرك أن زمن ما بعد الاستعمار قد انتهى، وأنه اليوم، في القارة الإفريقية، وفي عدد لا بأس به من الدول، باستثناء تلك التي شهدت انقلابات عسكرية، أتحدث هنا عن الدول التي تسعى إلى ترسيخ مسارات ديمقراطية وحريات وتُعطي الكلمة لشعوبها، أعتقد أنه من المهم فعلاً أن تعيد فرنسا تعريف سياستها الإفريقية".

ويختم حديثه قائلا: "لكن الأهم من ذلك هو أن تفهم أنه في العالم الذي نعيش فيه اليوم، في عالم مضطرب، مليء بالفوضى، حيث تتنافس الولايات المتحدة وروسيا والصين وتركيا، وسواها من الدول المهتمة بإفريقيا، فإن الجميع يأتي من أجل الشراكة والتجارة وإقامة علاقات دبلوماسية واقتصادية، لكن دائماً ضمن إطار من الاحترام والمساواة".