hamburger
userProfile
scrollTop

exclusive
 المشهد بروفايل - مِن "غاسل صحون" في طرابلس إلى نجم عالميّ

المشهد - فرنسا

المشهد بروفايل - مِن "غاسل صحون" في طرابلس إلى نجم عالميّ
play
ألان الجعم قطف نجمته الأولى من "ميشلان"
verticalLine
fontSize

في أحضان أحياء أفقر المناطق اللبنانية تَرعرع، وعلى روائح أطباق والدته المجبولة بالحبّ والشّغف والذّوق، تطوّرت ذائقته. مدرسته الوحيدة كانت ولا تزال "كلمات والده" ومنها انطلق. فبعد تعثّره وفشله أكثر من مرّة، نهض من جديد. من غاسل أطباق إلى صانع محتواها.. "مُحتوى" حلّق من خلاله في سماء العالميّة ليقطف نجمته الأولى من "ميشلان".

هو عزّام عبدالله الجعام، هذا الاسم الطرابلسيّ الذي يحمل أوجاع الماضي وعَوَزه، ما دفع حامله إلى محوه، وتحويله إلى اسم فرنسيّ: ألان الجعام، لكنه اكتشف، ولو بعد حين، أنّ ماضيه هو ما سيصنع حاضره ومستقبله…

ذكريات الطّفولة: بين روائح طبخ الأمّ واجتهاد الأب

يروي الجعام في مقابلة خاصّة مع منصّة "المشهد"، قصّةً ملهمة لحياته، تهمّ العديد من شباب هذا الجيل.

ويقول: "أهلي كانوا من المهاجرين اللبنانيّين إلى إفريقيا، حيث وُلدت في مونروفيا عام 1975، وبقيت هناك حتى عامي الثالث قبل العودة إلى لبنان، وتحديدًا إلى مسقط رأسه طرابلس. كبرت وترعرعت في ساحة التلّ، وفي الشوارع الشعبيّة وأسواق العطّارين في تلك المدينة المتواضعة. تناولت المأكولات التقليديّة الطيّبة، وبدأت قصّتي مع أوّل صحن فول، وأوّل منقوشة، وأوّل سندويش فلافل".

يتحدّث الجعام كثيرًا عن طبخ والدته، مُلهمته الأولى التي كانت معروفة بطهوها، وعن روائح المطيّبات التي كانت تستعملها وتفوح في البيت والعمارة.. أمّا مُلهمه الثاني فكان والده الذي كان يملك محلًا للسمانة، "والذي كان "مدرستي الحقيقية"، إذ تعلّمت منه أهمية العمل، والاجتهاد، والدقّة، والصرامة، والانضباط. كنت أستيقظ في الصباح الباكر وفق تعليماته، أقف في الطابور أمام الأفران لشراء الخبز، وأحمل جرّة الغاز التي كانت أثقل وزنًا مني، وأوصلها إلى الزبائن.. هذه خلاصة ذكريات طفولتي بين طبخ والدتي، وشوارع طرابلس المتواضعة، والعمل مع والدي بسبب اندلاع الحرب وتوقّف شبه كلي للمدارس".

وتابع: "مأساة الحرب الأهليّة في لبنان خلّفت ذكريات مرّة لديّ"، يروي الجعام: "كنّا ننام في الملجأ هربًا من القذائف، نعيش كلّ يوم بيومه بخوف من الغد، نتفقّد البيوت والموتى يوميًّا، تاركين قدرنا للغيب، ونسأل في كلّ لحظة: من التالي؟".

وأضاف: "رغم كلّ ذلك، لم أتخلَّ عن الطموح والحلم. كنت أحلم دائمًا بأن أصبح شيئًا. كنت مصرًّا داخليًا على الكفاح من أجل النجاح. أذكر أنني كنت أقول دائمًا لنفسي: أنا مثل محرّك سيارة، لكن من دون هيكل”، أحلامي كبيرة وطموحاتي بلا حدود، لكن، للأسف، الوضع الاقتصادي منهار، والحرب قضت على كلّ شيء، والمدارس متوقّفة".

وقال "أدّيت الخدمة العسكريّة في لبنان عام 1995. بسبب مشكلة في عيني، تم توجيهي إلى الخدمة في المطبخ والطهو، وكانت تلك بدايتي في معسكر تدريب يُطعم آلاف الأشخاص. دقّتي وحُسن تقديمي للأطباق نقلاني إلى نادي الضباط، ثم أصبحت طباخًا خاصًّا لجنرال في الجيش.. أما خطوتي الثانية، فكانت فتح محل للسمانة، لكنني فشلت، لأنّ التجارة تحتاج إلى رأس مفكّر، ولم أكن ناضجًا كفاية حينها. لكنّ الفشل لم يوقفني يومًا".

حلم أوروبا: كابوس مُرّ وأسوأ أيّام حياتي

وعن حلم أوروبا، قال "عام 1996، حاولت السفر إلى إيطاليا من خلال شراء فيزا عبر أشخاص غير قانونيين. وعندما وصلت، لم يكن لديّ أيّ حجز، فقرّروا ترحيلي فورًا. أعادوني إلى حيث أتيت. لكنني لم أستسلم. تحوّلت إلى بائع بيتزا، ثم أعدت المحاولة للخروج من البلاد، واستقرّيت في باريس عبر أحد مهرّبي البشر".

وأضاف: "وصلت من دون أوراق، وكنت مستعدًا للعمل بأيّ شيء شرط البقاء والحصول على إقامة قانونيّة. عملت في الدهان نهارًا، وأغسل الصحون في مطعم لبناني ليلًا. كنت أعمل ليل نهار. كنت موجودًا في أماكن راقية بين أشخاص لا يتحدثون إلا بالفرنسيّة. كنت أبتسم مدعيًا أنني أفهم، بينما لم أكن أفهم شيئًا. فقررت تعلّم اللغة الفرنسيّة من الصفر. نصف مدخولي كنت أدّخره، وبعد سنوات من العمل الشاق، بدأت حياتي تستقر، وقرّرت خوض مغامرتي الخاصة".

وشدّد على أن: "لا شيء مستحيلًا، هناك أمور صعبة، لكنّ الصعوبة يجب أن تقوّيك لا أن تُضعفك. الصبر مفتاح الفرج، ويجب صعود السلّم درجة تلو الأخرى. هدفي كان أن أصبح شيف مطبخ. بعد سنتين، أصبحت كذلك. وبعد 8 سنوات، حققت حلمي بافتتاح مطعم في باريس، وكان هدفي التالي دخول دليل ميشلان".

لكنّ حلم الجعام لم يتوقّف. فعندما تجرّأ وفتح قلبه، وتحدّث عن ماضيه وتاريخه وهويته الأصلية، أحسّ بزوال عبء كبير عن كاهله، وانطلق بجرأة في مزج الأطعمة اللبنانية بالمطبخ الفرنسي، وحلّق بهذا المزيج نحو العالميّة.

هذا هو ألان الجعام الذي صنع من ضعفه قوّة. رجل عصاميّ بكل معنى الكلمة. خاض رحلة شاقّة بإصرار وعزيمة، فصعد من القاع إلى القمّة، من غاسل صحون إلى طاهٍ تزيّن طباقه نجمة ميشلان.